خلف جابر

كاتب وصحافي من مصر

الراكضون خلف السراب.. لماذا نلجأ لــ"لايف كوتش" لنصبح سعداء؟

يلجأ بعضنا إلى الـ"لايف كوتش" ليصبح سعيداً. فهل نحن بحاجة لمن يرشدنا إلى "طريق السعادة"؟

في أحد مشاهد فيلم "لعبة الست"، إنتاج سنة 1946، دخل الفنان المصري نجيب الريحاني قاعة محاضرة، بينما يلقي ممثل على الحضور خطبة بعنوان "طريق السعادة"، موضحاً أن السعادة ليست في جمع المال أو في جمال النساء والملابس البرّاقة، كما أنها ليست لذّة حيوانية أو شهوة بهيمية، ليؤكّد أحد الحضور المُتأنقين صحة كلامه.

ويضيف الممثل مؤدّياً دور المحاضر، أن السعادة ليست في المآكل الشهية، لنجد شخصاً آخر يثني على كلامه وهو يتناول الطعام من صحن في يده، ليستطرد المحاضر محاولاً تسهيل مهمة الوصول إلى السعادة باعتبارها تكمن "في الإخلاص والتضحية وإنكار الذات والوفاء". هنا يُصفّق المُترفون، ويشتاط الريحاني غضباً.
لم يتمالك الريحاني نفسه؛ فسرعان ما خرجت الكلمة مُندفعة: "ده كلام فارغ"، ليجد هجوماً من الحضور مُستنكِراً فعلته. هنا يوضح الريحاني أن المعنى المطروح للسعادة ساذج؛ جاء من إحساسهم بالشبع، أما هو حسب وصفه: "راجل مليان وفاء، وإخلاص وتضحية وغلب أزلي. قاعد عاطل جعان مش لاقي لقمة". مستطرداً: "ورّوني جزّار يديني حتة لحمة. يديني حتة عضمة وياخد تمنها وفاء". يصل الحضور إلى قمّة تذمرهم مطالبين إياه بالخروج من المحاضرة، ليهمّ بالخروج ساخراً منهم ومن معلّمهم: "اتفضل كمّل حضرتك. ارسم لهم طريق السعادة".


"يوجا الضحك".. طريقك إلى السعادة

المشهد الذي عرض في العام 1946 عاد إلينا من جديد، مع اختلافات بسيطة. فالمحاضر الآن يسمّى "لايف كوتش"، وهو الشخص الذي يُحدّد لنا كيف نصل إلى السعادة.

كما أن المحاضرة لم يعد دخولها مجاناً، فنجد على موقع التواصل الاجتماعي ورشة بعنوان "ورشة تقدير الذات للفتيات"، برسوم اشتراك تعادل 50 دولاراً تقريباً، مُستهدفة الفتيات من عُمر 7 إلى 11 عاماً.

في هذه الورشة يحاول المدرّب أوت ديفيكا مينيل مشاعدة الفتاة على تحديد شغفها ومصالحها الخاصة، كما يعاونها على مواصلة تطوير هداياها الفريدة، وأن تشعر براحةٍ أكبر، وأنها جديرة وكبيرة.

كل تلك الأهداف نبيلة، لكن يبقى السؤال حول الكيفيّة التي سيحقّق فيها المدرب أهدافاً لفتاةٍ متوسّط عُمرها ما بين 7 إلى 11 عاماً؟

الإجابة سنجدها في إشارته إلى أن "الورشة ستوفّر الكثير من المرح من خلال تمارين يوجا الضحك، وهو ما سيزيد من قدرة المشاركين على الضحك على أنفسهم، وهي سمة من الناس الذين يتمتّعون بثقةٍ عاليةٍ في تقدير الذات".

كل ذلك من أجل أن تصل الفتيات الصغيرات إلى السعادة، لكن أليس حرياً بهؤلاء أن يوضحوا لنا معنى السعادة؟


في القوّة والعزلة.. كيف عرّف الفلاسفة السعادة؟

في البحث عن تعريف السعادة عند الفلاسفة، نجدها تختلف من شخصٍ إلى آخر. فأفلاطون ينظر إليها بنظرةِ أقرب إلى رؤية المحاضر الذي ظهر في فيلم "لعبة الست". إذ يراها عبارة عن فضائل الأخلاق والنفس؛ كالحكمة والشجاعة والعدالة والعفّة، في حين يقول معلّمه سقراط: إن "سرّ السعادة ليس في السعي للحصول على المزيد، إنما بتنمية قدرتك على الاستمتاع بالقليل".

بينما  نجد أرسطو قد قسّمها إلى خمسة أبعاد، وهي: الصحة البدنية، والحصول على الثروة وحُسن تدبيرها واستثمارها، وبين تحقيق الأهداف والنجاحات العملية، وسلامة العقل والعقيدة، والسمعة الحسنة والسيرة الطيّبة بين الناس.

أيضاً يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس إنه "كلما تأمّل الإنسان في الأفكار السعيدة صار عالمه أفضل"، في حين يرى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي مضى بعيداً في تمجيد القوّة، حيث يُعدّ من أوائل مَن صاغوا نظرية الرجل الخارِق، أن "السعادة هي الشعور بأن قوّتك تزداد".


ورقتا إينشتاين.. السعادة كمنتج استهلاكي

العالم الألماني ألبرت أينشتاين، كان أيضاً ممَن سعوا إلى وضع تعريف للسعادة، أو بالأحرى كتابة خلطة سحرية لتحضيرها، وكان ذلك في العام 1922، وتحديداً في فندق بالعاصمة اليابانية طوكيو، عندما حضر إليه ساعي بريد ليسلّمه خطاباً فيه أنباء حول فوزه بجائزة نوبل.

لم يجد أينشتاين مالاً ليعطيه "بقشيشاً" لعامل البريد، فرأى أن يكرمه على طريقته الخاصة، فكتب له ملاحظتين بخط يده باللغة الألمانية، كاشفاً فيهما نظريته حول السعادة، وجاء في الأولى: "حياة هادئة ومتواضعة تجلب سعادة أكبر من السعي إلى النجاح وما يرافقه من قلق دائم"، وفي الأخرى كتب: "حيث تكون الإرادة، توجد حلول".

حكمة أينشتاين تردّنا إلى موقف آخر، تحديداً بعد كتابته لهما بزهاء 95 عاماً، عندما طرح أحد أقارب عامل الفندق ورقتيه في مزاد دار "وينر"، ليصل سعر بيعهما لرجل أعمال أوروبي لم يذكر إسمه، حوالى مليون ونصف المليون دولار ( 1.56 مليون دولار). ليطرح ذلك تساؤلاً آخر بشأن من نال السعادة، هل ذلك العامل صاحب الحكمتين، أم قريبه هذا الذي جنى كل تلك الملايين؟

 

 


مُدرّبو الـ"لايف كوتش" ليسوا سعداء

أسباب كثيرة تدفع البعض إلى اللجوء إلى مُدرّبي الـ"لايف كوتش" للوصول إلى السعادة، يرجعها الدكتور طه أبو حسين أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إلى أسباب متعلقة بالفرد وأخرى بالمجتمع.

أما بشأن الأسباب الخاصة بالفرد فيقول أبو حسين للميادين الثقافية "إن السعادة هي مجمل تراكمات الحياة، يحصل عليها الإنسان من مجموعة أشياء صغيرة متجاورة، وليس امتلاك الكثير من شيء واحد، فمَن يسعى إلى المال يزهده إذا امتلكه، ومَن يريد منصباً يشعر بالإحباط بعدما يناله، لذلك من الصعب على الإنسان أن يصف لآخر طريقاً للسعادة أو يضع له خلطة سحرية، وأيضاً على الفرد أن يحظى بنصيب من الرضا بما يملك، فهو سرّ السعادة".
وبشأن الأسباب المتعلقة بالمجتمع، فبجانب المشاكل السياسية والاجتماعية، يؤكّد أبو حسين أنه في ظل مجتمع استهلاكي؛ أصبحنا فيه مجرّد مُستقبلي إعلانات تحدِّد لنا كيف نكون سعداء عندما نشتري شيئاً بعينه، أو نسافر إلى مكان محدّد، قد يكون ذلك سبباً في إقدام الناس على مثل تلك الورش، مضيفاً: "الناس أصبحوا مؤمنين بأن كل شيء أضحى سلعة يمكن شراؤها بالمال، وذلك بفعل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، برسائلهما المختلفة".
واختتم كلامه مشيراً إلى أن ما نحياه جعل الكثيرين يظنّون أن كل شيء بثمن: "حتى السعادة أصبح البعض يرى أنها تُشترى، أو أنهم ليسوا سعداء لأنهم لا يملكون ثمنها"، مؤكّداً "أن ما يفعله مُدرّبو الـ"لايف كوتش" هو مجرّد أكل عيش (وسيلة للإسترزاق)، ولا أظن أنهم سعداء".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً