طارق قبلان

كاتب من لبنان

مواقع التواصل.. حرية أم فوضى وعبث؟

قد يظن البعض أن مشهد وسائل التواصل هو مساحة حريّة، فيما هو مساحة فوضى وعَبَث لصالح أصحاب السيطرة العميقة.

في عصر التواصل الاجتماعي والمشهديّات السّائلة، حيث التطوّر العلميّ والتقنيات الفائقة الفاعليّة، نعاني في المجال الشخصيّ من ازدواجية الحياة الواقعيّة والأخرى الافتراضيّة بما تحفل به الحياتان من تفاصيل كثيرة، ومن خطابات تفرضها طبيعة الوسائط المُتطوّرة باستمرارٍ وبسرعةٍ يصعُب على الكثيرين منّا مُسايرتها.

صحيحٌ أن وسائل التواصل الاجتماعي ومنصّاته لم تُغيّر الواقع الخارجي للناس، ولم تُعدّل في التكوين الثقافي للناشطين عبرها، ولم تُبدّل الوضعيّات الاجتماعيّة لعموم المواطنين، لكنّ خطابها أوْهَم الكثيرين بالقُرب واليُسر وإمكانيّة التواصل فيما واقعُها أقربُ إلى السَرَاب، واللاهثون وراء وعودها جمعٌ من المُحبَطين.

وبخلاف وسائل الاتصال الجماهيري في زمنٍ سابق، والتي تميَّزت بخطابٍ مركزي منقّى، يوجّهه الزعماء وقادة الرأي، بات الخطاب المُتكوّن في فضاء التواصل الاجتماعي اليوم مِلكاً لعموم الناس - من دون مدحٍ في المقام - إذ تميَّز بتعدّد اتجاهات الإرسال، كما تميَّز بمضامينه ذات المنحى الشعبويّ. فوسائل التواصل غيَّرت اتّجاه الخطاب، فحرمت القادة من احتكارهم الإرسال من أعلى إلى أسفل، إذ بات اتّجاه الخطاب من أسفلٍ إلى أعلى، وجعلت المُخاطَبين قادرين، فُرداى وجماعات، على صناعة خطابات خاصّة بهم انطلاقاً من حيثيّات واقعهم الشخصيّ، بعد أن كانت عينا الزعيم والقائد هي السبيل الوحيد إلى الواقع بصدقه أو توهّمه. ولا يهمّ في المقام متانةُ الخطاب الشعبيّ وتماسُكه وإحاطته العلميّة بموضوعه في مقابل الخطابات الأخرى، بل ما يهمّ أنّ الجمهور يستطيع اليوم أن يتكلَّم ويعبِّر ويشعر بالرّضا لأنّه لم يضطّر إلى كَظْمِ ما يعتمل به صدره!

إذاً، بفضل المُستجدات في ميدان الاتصال، اضطُرّ القادة إلى مُجاراة الجمهور في العالم الافتراضيّ، وسعَوا إلى السيطرة على الميدان بطريقةٍ وبأخرى، بموازاة الواقع، وفق تشكيلات "حزبيّة" قد تُعرَف في بعض الأحيان بالجيوش الإلكترونية، وتتولَّى خوض صراعات، وتوجيه مجموعات، ورَفْع شعارات، واستخدام كلّ الأسلحة المُمكنة لتحقيق الانتصار في العالم الافتراضي تمهيداً لسحبه على الواقع، والوسيلة دعاية نافِذة ووهم مُتفشٍّ وسط مساحة ضيّقتها وسائل التواصل، وقرّبت حدودَها الفاصلةَ، فشُبِّه للناظر أنّ مستويات خطابِات العامة وخطابات القادة ومساراتهما واحدة على اختلافها، بالرّغم من اختلاف سياقاتها الفكريّة والاجتماعيّة والتاريخيّة... ما قدَّم لنا مشهداً رَحباً بكلّ مَن "هبّ ودبّ" وتكلَّم بلسانٍ عربيّ أو أعجميّ.

قد يظن البعض أن مشهد وسائل التواصل هو مساحة حريّة فيما هو مساحة فوضى وعَبَث لصالح أصحاب السيطرة العميقة التي لا تتيسَّر إلا للجهات المُتمكّنة بالعِلم والتقنيات والسرديّات الكبيرة، لأن أغلب روّاد وسائل التواصل "أطفال كانت أمّهاتهم هنّ اللواتي يسترن على حماقاتهم المنزليّة"، أو مجموعات من "الثَمِلين ذوي الترّهات المُتداولة بعد أن كانت رهينةَ جدران الخمّارة". والطريف أنّ وسائل التواصل لم توفّر من سلبيّاتها الزعيم والبيك اللذين أظهرتهما رجلين من النّاس، في أحيانٍ عديدة، حيث الواحد منهما ليس أرسخ عقلاً وأبعد نظراً من بعض العامّة، فكثرت الزّلات والأخطاء.


كيف تُدهشنا هذه الوسائل الجديدة، وما هو تأثيرها؟

يُسجّل لأبناء وسائل التواصل الناشطين والبارِعين في استعمال التقنيّات الحديثة، والذين يملكون كثيراً من الوقت لصرفه كيفما اتفق أنّهم أفلحوا في تكريس هيمنتهم الافتراضيّة على مواطني جمهورية التواصل الشعبيّة، و"فرضوا" على مجتمع النُخبة مُجاراتهم، فاستسهل الآخرون الخطاب الافتراضيّ من دون اكتراث لمواقعهم الحسّاسة.... وإن تكن هيمنة "الافتراضيين المؤثّرين" لا تتعدّى دائرة الإعلام والاستعلام ومداهما.

من جانبٍ آخر، يطرح نشاط وسائل التواصل الاجتماعي إشكاليّة قانونيّة؛ فمن جهة، يَعتبر النشطاء وسائل التواصل شبكات اجتماعيّة ومواقع شخصيّة ذات مرجعيّة أخلاقيّة وأهليّة، ومن جهةٍ يَعتبر كثيرٌ من العاملين في الشأن العام ومراكز الدولة أنّها ذات أدوار عامة تتخطّى الحياة الشخصيّة للمواطنين... وما يزال النقاش شديداً بين أن تُصنَّف وسائل التواصل ضمن أدوات التعبير الشخصيّ أو تندرج في خانة وسائل الإعلام الجماهيري، وهو نقاش يؤرّق المسؤولين، ويشحذ هِمم المُدافعين عن حقوق الإنسان وناشطي المجتمع المدنيّ وجمعيّاته المُتناسِلة.

فكيف نميِّز قانونياً بين الوسائل الإعلامية ووسائل الاتصال الجماهيري وبين وسائل التواصل الاجتماعي إذا شملت التأثيرات جمهوراً واسعاً من الناس؟ وهل تقف حرية التعبير والقول سدّاً أمام الجزاءات القانونية؟

إذا اعتبرنا أنّ وسائل الاتصال هي وسائل تقنيّة، يستعملها مُرسِل ما لتبليغ رسالةٍ ما، فإنّ مواقع ومنصّات التواصل الاجتماعي لا تختلف عن وسائل الاتصال الأخرى ذات الوظيفة الإعلامية الجماهيرية سوى بالجمهور. فوسائل التواصل ذات جمهور خاص مُنغلِق على نفسه تقنياً فيما الوسائل الجماهيرية ذات رسالة عامة جماهيرية، تتعدّى رسالتها الحلقات الضيِّقة التي تُشكّلها الخيارات التقنيّة، فإذا كان خيار القائمين على وسائل التواصل توسيع انتشارها وانفتاحها على نطاقٍ جماهيريّ، فإنّها تُصبح حينئذٍ بمنزلة وسائل الإعلام الكلاسيكيّة وما يجري عليها قانوناً.

هذا الواقع يرتِّب على وسائل التواصل بالنتيجة ما يترتَّب على المؤسّسة الإعلامية الكلاسيكيّة من مسؤوليات، خصوصاً في المجال القانوني، فتُصبح عُرْضة للمُساءلة القانونية من دون أن تكون لها أفضليّة التذرّع بالخصوصيّة وبالحريّة الشخصيّة وحرية التعبير، لأن الجماهيريّة والتأثير في عموم الناس تُلزِم أيّ فرد بتحمّل تبعات رسالته على جميع المستويات، خصوصاً الاجتماعية والقانونية. وإنّ حرية الرأي لا ينبغي لها أن تحصِّن وسائل التواصل الاجتماعي بإزاء القواعد القانونية، لأنّ نشاطها الجماهيري يلقى مفاعيله في سياق اجتماعي له تعريفه للحرية وحدودها، ويرتِّب مسؤوليات قانونية لا يمكن التنصّل من تبعاتها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]