عبد السلام الريماوي

كاتب فلسطيني

ملكة الليل

  • ملكة الليل

خلال عملي المسائي كمُحرّر في جريدة الأيام، قبل أكثر من 20 عاماً، كان شذى "ملكة الليل" هو الشيء الوحيد الذي يُبدّد تعب وقرف العمل في تعقّب وتصحيح أخطاء الغير كي تخرج في اليوم التالي للعَلَن بلا أخطاء وبلا فضائح لغوية.

على مفترق الطُرُق المؤدّي إلى بيتنا القديم كانت تعيش هذه النبتة الساحِرة في حديقة منزل مُحاط بأشجار السرو والصنوبر لا أتبيّن منها إلا ظلالاً عالية. كل شيء يلوذ بالصمت في تلك الساعة المتأخّرة من الليل باستثناء "الكولونيا" كان لعطرها ضجيج يملأ الروح صدى، كان له كفّان يمسحان على القلب الموجوع بالندى.

فائض العطر الذي تجود به أزهار شجرة "الكولونيا" الهشّة الأغصان ليلاً يتخطّى حدودها وحتى حدود الحديقة التي تسكنها، فلا يعود من السهل اقتفاء أثرها.

لا أحد يعرف أين تخبّئ كل هذا العطر في النهار، لعلّها تنام أو تنشغل في مهمة أخرى، وربما تترك لسواها، بتواضع الكبار، حيّزاً لممارسة غواية اللون وتناوب الجمال، حتى إذا ما غابت الشمس وتساوت الألوان والأشياء، فتحت خزائنها واستوت ملكة على عرش العتمة، فاستحقّت، فعلاً لا مجازاً، وصف "ملكة الليل".

مثل هذه الشجيرة ينبغي ألا تظلّ حكراً على البعض، بل يجب أن تُزرَع في كل بيت، وعلى جنبات الطرقات، ما دفعني قبل سنوات عديدة إلى استنبات العديد من الشتول لزيادة مخزون الليل من العطر في العديد من الحارات.

ولأن "ملكة الليل" من النباتات التي تُزرَع في الأرض وتعشق الماء، ولأني مفتون بها فقد اخترت لها مكاناً تحت النافذة في حديقة صومعتي الصغيرة، وأحضرت لها أصيصاً ضخماً يتّسع لجموحها. راقبتها تنمو وتكبر حتى اشتدّ عودها، وها هي تأخذ على عاتقها تقديم ولائم من العطر على امتداد الليل،  لي وللساهرين فوق السطوح في الجوار.          

كلما مررت في شارع يغمره العطر أستعيد ذاك الفتى الذي كان أكبر همومه كيف يتدبّر أمر عودته إلى البيت، في تلك الساعة المتأخّرة من الليل بعد يوم عمل حافِل بالقهر والعذاب.

يا إلهي كيف لي أن أجد سبيلاً إلى النوم وكل هذا العطر يملأ غرفتي!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً