نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

"نانايا" تنضمّ إلى زوجها "نابو" متحفاً للنحت

"نابو" و"نانايا"، كزوجين في التراث العراقي - البابلي، تحوّلا على يد سلطان إلى زوجين فنيين لبنانيين.

"نابو" إسم لإله عراقي قديم، ومتحف حديث على شاطىء البحر في الهري شمال لبنان. قربه "نانايا"، إحدى زوجاته الثلاث، وحديقة صغيرة لصيقة بالمتحف.  

ما زال "نابو" في عامه الأول، لكنه تحوَّل محجَّة للزوّار، فاستقطبهم من كل ناحيةٍ وصوب، بما احتضنه من أعمالٍ فنيةٍ عبرت في التاريخ العراقي، والسوري، واللبناني القديم، وفي أعمالٍ تشكيليةٍ لفنانين لبنانيين، في معرضين متتاليين، وبينما تألّق في بهائه، وألوانه، وتشكيلياته الجميلة الساحِرة، بقيت "نانايا" رثّة، تغطيها الأعشاب البرية، وبضع أشجار عتيقة.

الفنان المُرهَف فيصل سلطان تحسَّس إشكالية"نانايا"، فانبرى ينقذها من معاناتها، وراح يُزيِّنها بسحرٍ من نوعٍ آخر، فاستقدم منحوتات لعشرة فنانين لبنانيين، منهم المخضرم، ومنهم الناشىء، تقارع بهم سحر "نابو"، وتستريح قربه مُطمئّنة على حالها، لاغية تجردّها من الجماليات المُتقنة، لتستحوذ على تجريد مُتقَن، مع تعبيرية حالِمة.

بعد "نابو" في معرضين بعنوان: "قرون من الإبداع"، و"رسوم تركت أثراً"، تحوّلت "نانايا" على يد سلطان متحفاً دائماً للنحت، فكان معرض "منحوتات حديثة ومعاصرة من لبنان"، افتُتح في حضور حشد من الفنانين المُهتمّين، وزوّار تذوّقوا الفن، بأبعاده المختلفة، فتحوَّلت "نانايا" إلى حالٍ دائمة، تُقارِع "نابو"، وتتخطّاه جمالاً، ومعانٍ مُتعدّدة، وفي الوقت عينه، يكتملان مشهداً فنياً مُتعدّد المشارب على أحد أجمل مواقع البحر المتوسّط.

سلطان الذي حوّل "نانايا" متحفاً نحتياً مميّزاً، ينطق بتاريخ النحت اللبناني بمراحله، وتطوّراته المختلفة، تحدَّث للميادين الثقافية عن دوافعه: "نانايا" استحدثت لكي تستمتع بالتيارات الموجودة في الحياة التشكيلية، والمعرض إعادة الاعتبار لموقع النحت التشكيلي في لبنان، فالنحت مادة صعبة جداً، لكن لها موقع أساسي في الحياة التشكيلية".

ارتأى سلطان لـــ "نانايا" استحضار جيلين، كما يقول: "جيل الحَداثة حيث كان النحت مُرتبطاً بشكلٍ كبيرٍ بالتجريد". فاختار نماذج من الفنانين الذي مزجوا بين التجريد والواقع، ومنهم زافين هديشيان ومن أعماله في المعرض منحوتة صخرية ضخمة لـــ "عشتار في حال ابتهاج عامِر"، وقد وجّه سلطان له "تحيّة إجلال لمرور سنة على وفاته"، ويعود بعده إلى مجموعةٍ من جيل الستينيات، منهم حسين ماضي الذي تمثّلت أعماله بنُصُبٍ معدني يرمز إلى اختطاف قدموس لأوروبا، ويفيد سلطان عنه أن "له اطّلاع كبير، وأسلوب خاص في قراءة الواقع، ويُقيم مُقارَبة بين منحوتاته والطبيعة".

نُصُب ومنحوتة من التراث الأسطوري الفينيقي تكتمل بهما مشهدية معرض "نابو" الأول، والمعاني المُكتَنِزة في "نابو" كإسم من إلهة العراق القديم، وزوجته "نانايا"، فإذا المشهد الأسطوري الشرق أوسطي مُتمِّم لبعضه من العراق حتى سواحل المتوسّط.

بعد تجريديات هديشيان وماضي، يأتي نعيم ضومط لينقل مضمون المشهدية إلى العصر الحديث، في منحوتته "خطى الرقص"، يُزاوِج فيها بين الواقع والتجريد، لتُضفي على "نانايا" جواً من العرائسية المرحة.

ومع أنطوان برباري، نرحل إلى عالم النهضة الأوروبي في نُصُبٍ برونزي ضخم بعنوان"عازِف الفيولونسال" الذي أعاد به "مزج التعبيرية بحدّتها وقساوتها"، بحسب تعبير سلطان.

ومن هذا الجيل، يأتي رافي توكاتليان الذي نشأ على روايات جدّه على المجازر الأرمنية. يعلِّق سلطان: "كانت طريقته تعبيرية قاسية بكل تحوّلاته الفنية بعد دراسة في باريس، وكان مميّزاً بمنحوتاته في الدفاع عن النفس، والمقاومة، والتعبيرية التي فيها الكثير من العاطفة الجيّاشة".

أما جيل المُعاصرة، فهو مفصلي بمُعايشته لأهوال الحرب اللبنانية، وفي نفس الوقت، بنظر سلطان، "استطاع أن يتفتّح على مدارك تعبيرية جديدة"، منهم بيار كرم، وهو فنان من عمشيت نظم عدّة سمبوزيومات للنحت على شاطىء مدينته في فتراتٍ سابقةٍ في العقد الجاري، قدَّم لـــ"نانايا" منحوتة "الريح" البرونزية، فرودي رحمة الذي، بنظر سلطان "نجح بمُزاوجته بين الواقعية، والكلاسيكية، والسوريالية وفي أعماله الكثير من التعابير عن المواقف البطولية".

وهناك نبيل الحلو كفنانٍ من "الواقع الأساسي الذي استطاع أن يعمل حركة دينامية من التجريد" مُتمثلاً بمنحوتة "اللانهاية" -مزيج من ألياف زجاجية -فيبرغلاس- احتلّت مساحة واسعة من "نانايا" مُسبِّبة دهشة في كيفية إخراجها.

ويحضر أيضاً أناشار بصبوص الذي - بنظر سلطان - "نشأ في قرية كونية من النحت"، وهي راشانا "التي أقام فيها شموساً من الحرية".

ومسك الختام مع بسام كريلوس الذي صنع "بيضة العالم" من معدن الألمنيوم، وهو مُتأثّر كثيراً بالأبنية المُدمَّرة في بيروت، واشتغل كثيراً على نصوبٍ من معدن الألمنيوم.

يُعقِّب سلطان في حديثه للميادين الثقافية على أهمية المعرض التي "تكمُن في الخامات، والتقنيات التي يتمتّع بها الفنان اللبناني، وفي نفس الوقت بالرؤى المُتأتّية من الواقع، وتصبّ مباشرة بالحركة، وهذا المعرض همّه إبراز الحركة".

في "نانايا"، بنظر سلطان، "المهم بالمنحوتة أن تعشق الهواء الطَلق، وأن تعشق الفضاء، ومن هنا فمنحوتات "نانايا" هي لقاء مع رِحاب الطبيعة، وجمالها، ومناخاتها، وفي الوقت عينه إتاحتها الفرصة للاستمتاع بجمالها الفني".

"نابو" و"نانايا"، كزوجين في التراث العراقي - البابلي، تحوّلا على يد سلطان، وبرعايةٍ من متحف "نابو"، وبزواجٍ كاثوليكي، زوجين فنيين لبنانيين حيث يجتمع ما لا يستطيع إنسان فَصْم عُراه، فيكتمل المشهد الفني مُنفتحاً على رؤىً جديدة، تستلهم انفتاح الموقع على أفق البحر البعيد.

تخلّل الافتتاح احتفالية فنية موسيقية وهي "الفصول الأربعة" لفيفالدي، ألقتها الفنانة جوليا قصّار بقيادة هاروت فازليان.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]