محمد وليد قرين

كاتب وأستاذ في معهد الترجمة بجامعة الجزائر

توطئة كتاب "أدباء في السياسة"

كل كاتب هو كاتب في السياسة. والسؤال الوحيد هو أية سياسة وسياسة من؟

  • توطئة كتاب "أدباء في السياسة"

ترجمة: محمد وليد قرين

كتبت هذه المقالات بين الأعوام 1970 و1980 وهي تعكس بعضاً من القضايا التي كانت شغلي الشاغل في السبعينيات، ولكن يمكن تلخيصها في السؤال التالي: ما هي صلة الأدب بالحياة؟

لقد أقحمني البحث عن الصلة في عديد من النقاشات الإيديولوجية، بدءاً من قضايا الثقافة والتربية وصولاً إلى قضايا اللغة، الأدب والسياسة. وشهد هذا البحث كذلك انتقالي من التزام قوي في قسم الأدب، بنقاشاته ونشاطاته الحيّة والعديدة في جامعة نيروبي، إلى التزام بنفس الدرجة من القوّة في الحياة الثقافية للفلاحين والعمّال في ليمورو.

كانت تلك العشرية بالنسبة لي فترة تغيّر هائل: في نهاية تلك العُشرية، كنت قد تخلّيت عن مكانتي كـأستاذ وقد أصبحت طالباً تحت أقدام الفلاح والعامل الكيني. وكانت النتيجة هي مغاردتي للأدب الإفريقي الساكسوني بهدف إعادة ربط نفسي بالتقاليد الوطنية التابعة لأدب قومي ولثقافة متجذّرة في الشعب.

وتَجَسّد ذلك التغير في كتاباتي في تلك الفترة؛ ففي بداية السبعينيات بدأت بكتابة Petals of Blood باللغة الإنكليزية، ولكن في نهاية السبعينيات كنت قد أكملت [1]Caitaani Mutharabaini بلغة غيكويو. وشهدت تلك الفترة، في مجال المسرح، عملي المشترك مع ميكيري غيثائه موغو في كتابة The Trial of Dedan Kimathi باللغة الإنكليزية، ومشاركتي مع نغوغي واميريئي في كتابة Ngaahika Ndeenda بلغة غيكويو. وشهدت نفس الفترة جرّي من مكانتي الاحترافية الرفيعة في جامعة نيروبي ورميي في زنزانة في سجن الحراسة المشدّدة في كاميتي.

كانت ثلاثة برامج في قسم الأدب قد أعطت زخماً للبحث عن الصلة: البحث عن أدب ذات الصلة في المدارس الكينية؛ سلسلة المحاضرات العامة الشعبية حول الأدب والمجتمع؛ والكفاح من أجل مسرح مرتكز على الشعب من خلال المشروع السنوي لمسرح حر متنقّل.

فكانت مثلاً كتابة المقالة عن الأدب والمجتمع موجّهة للمعلمين في مؤتمر أدبي تم تنظيمه بمبادرة القسم، في مدرسة نيروبي سنة 1973، حول تعليم الأدب في المدارس الكينية. وتم تقديم المقالة عن "الأدباء في السياسة" في برنامج القسم للمحاضرات العامة. وإذا هيمنت على المقالات قضايا اللغة والمسرح، فذلك راجِع فقط إلى أن المعركة الإيديولوجية الكبرى بين ثقافة موالية للإمبريالية وثقافة كينية قومية ووطنية دارت أحداثها في المسرح بصفة خاصة.

هذه المعركة الإيديولوجية هي، بدورها، انعكاس للكفاحات المتزايدة التي خاضتها كينيا في السبعينيات، وكانت فترة شهدة اغتيال ج.م. كاريوكي[2] واعتقال وسجن أعضاء في البرلمان، عمال، كتّاب، طلاب ومثقفين وطنيين. تعكس المقالتان عن ج.م وكتابه Mau Mau Detainees ("الماوماو[3] السجناء")، القلق الذي أثاره الاتجاة المتنامي إلى اليمين في كينيا.

أملي أن تساهم هذه المقالات، بقدر قليل، في الكفاح المستمر من أجل ثقافة قومية ووطنية تعكس مصالح كينيا ضد هجوم ثقافة مرتِكزة على الخارج وتعكس مصالح إمبريالية.

إلا أن النضالات في كينيا لا يجب أن يتم النظر إليها بمعزل عما يجري في أفريقيا، في آسيا، في أميركا اللاتينية وفي العالم بأسره. إن كفاحات الشعب الكيني ضد الهيمنة الأجنبية اقتصادياً، سياسياً وثقافياً هي متكاملة مع كفاحات مشابهة في العالم الثالث وفي مناطق أخرى من العالم. وبالتالي أدرجت بعض الكتابات عن كوريا الجنوبية وأميركا لإظهار الروابط التي تجمعنا.

لقد سمّيت الكتاب "أدباء في السياسة"، لأنّ الأدب لا يمكنه أن يفلت من بنى السلطة الطبقية التي تشكّل حياتنا اليومية. لا يمكن للكاتب أن يختار هنا، إذ تعكس أعماله جانباً أو عدة جوانب من الكفاحات الشديدة الاقتصادية، السياسية، الثقافية والإيديولوجية في مجتمع ما، سواء كان الكاتب واعياً بهذا العنصر أو غير واع. ما يمكنه (الكاتب) أن يختار هو جانب واحد أو الجانب الآخر في ميدان المعركة، أي إمّا أن يقف إلى جانب الشعب، وإمّا أن يقف إلى جانب تلك القوى الاجتماعية والطبقية التي تحاول أن تُبقي الشعب في الدرجة السُفلى.

ما لا يمكن للكاتب أو الكاتبة فعله هو البقاء محايداً/محايدة. كل كاتب هو كاتب في السياسة. والسؤال الوحيد المطروح هو أية سياسة وسياسة مَن؟

 

[1]  عنوان رواية "شيطان على الصليب" لنغوغي واثيونغو والتي كتبها بلغة غيكويو. هي الرواية الوحيدة المُترجَمة إلى العربية لحد الساعة .

[2]  جوزيا موانغي كاريوكي Josiah Mwangi Kariuki (1929-1975) رجل سياسي كيني ناضل من أجل استقلال بلده وكافح ضد السلطات الاستعمارية البريطانية. بعد استقلال كينيا، أصبح كاريوكي عضواً في البرلمان وكان ينتقد بشدة منظومة الفساد خلال حكم الرئيس السابق كينياتا Kenyatta كما كان ينتقد التفاوت الطبقي الفاحش في المجتمع الكيني. كان دائماً يدافع عن العدالة الاجتماعية وعن ضرورة بناء اقتصاد قومي مستقل كما كان يعارض المصالح الامبرالية في بلده ويحذّر من أطماع الاستعمار الجديد على كينيا. تم اغتياله سنة 1975 ومن المحتمل جدا أنه قُتل بأمر من الرئيس الكيني السابق كينياتا. لدى كاريوكي مقولة مشهورة هي: "أصبحت كينيا أمّة تتكون من 10 مليونير و10 ملايين شحّاذ".  

[3]  الماو ماو: نسبة إلى الانتفاضة القومية المسلحة ضد الاستعمار البريطاني في كينيا بقيادة جيش كينيا من أجل الأرض والحرية Kenya Land and Freedom Army  (KLFA).دامت الانتفاضة من 1952 إلى غاية 1960. سنة استقلال كينيا: 1963.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً