شيرين العكة

كاتبة من فلسطين

غزاويون يحاولون إعادة الحياة إلى آثار مناطقهم

من العقاد إلى أبو لحية وغيرهما.. هكذا يكتشف الغزاويون آثارهم ويحمونها.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

عندما يضّلُ طريق العودة من المدرسة إلى المنزل؛ كان يؤخذ بالمشاهد التي يراها. أحجار وفخار ملقاة على جانب الطريق، فيحدّث نفسه قائلاً "إنها قديمة جداً، لكنها جميلة، لا تبدو من صُنع البشر".
يتوغّل الطفل أكثر في بلدته القرارة في خانيونس في قطاع غزة. يمرّ في شوارع ترابية ثم ينحدر إلى أرض طينية، فيرى جداراً في بعض المناطق، يتحسّسه بأصابعه الصغيرة "ليس كالجدار"! يحدّث نفسه، كأن الرياح نحتته حين عصفت بالمنطقة ذات شتاء.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

تضمّ القرارة اليوم عدداً من المواقع الأثرية؛ منها قرية صوفا، الشيخ حمودة، طريق الرباعية. أما عن التسمية فيقال إنها يونانية الأصل، وتعني "جِرار" أي فخّار، كانت تشهد على وجود مصانع فخار فيها قبل 1600 عام، ويتم تصديرها إلى اليونان.
ظلّ الطفل محمّد أبو لحية يتسكّع في القرارة، ترافقه الدهشة وحب الاستكشاف، حتى كبر وصار فناناً تشكيلياً (29 عاماً)، يُدرّب الأطفال على فن الرسم والنحت والخزفيات، كما يُعرّفهم على فن الفسيفساء.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

أدرك أبو لحية أن الآثار التي كانت تصادفه والتي بات يقتني منها أهالي منطقته، يجب جمعها وحمايتها، فتبادرت إلى ذهنه فكرة إنشاء "متحف". قدّم مبادرته إلى وزارة السياحة والآثار وحصل على موافقتها. عندها، بدأ رحلة البحث عام 2016 فوجد ما يفوق توقّعاته.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

لاحقاً، انضمّ إليه 8 أشخاص من بينهم زوجته التشكيلية نجلاء، وشكّلوا فريقاً حيث "بحثنا في المناطق التي تخلو من العمران، كذلك في الأراضي الزراعية مع الحرص الشديد على ألا نعيق عمل المزارعين"، على ما يقول أبو لحية للميادين الثقافية. لكن ما أثارهم وحفزهم هو "التفاف الناس والمزارعين حولنا، وأصبحوا يساعدوننا في الحصول على القطع الأثرية، ليس ذلك فحسب بل قدّموا لنا القطع التي كانت بحوزتهم".

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

جمع الفريق قطعاً تراثية، وفنية، وأنتيكا، وحرفية، وعملات "مسكوكات"، بعضها يعود إلى 100 عام والبعض الآخر 7000 عام، لكن ليس كل ما حصلوا عليه أثناء بحثهم يصلح لأن يلتقطوه، فهنالك الكثير من الأواني والفخار تعرّضت للتلف والتكسير إما بفعل عمليات التجريف التي كان يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي في غزّة قبل خروجه منها عام 2005، أو بفعل الزحف العمراني ونقص الوعي لدى أهالي المنطقة بكيفية التعامل مع هذه الآثار.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

أما بشأن ما تمّ جمعه فقد تواصل أبو لحية مع وزارة السياحة والآثار، حيث منحت الأخيرة لكل قطعة رمزاً خاصاً وأصبح مسجّلاً لديها.
في البدء احتفظ أبو لحية بالقطع الأثرية في منزله، لكن المكان ضجّ وضاق بها، وذلك بعدما جمع الفريق في العام 2019 نحو 3500 قطعة وهذا ما لا يمكن استيعابه. يشرح أبو لحية أنه "بعد تجميع هذا العدد كان لا بد من نقلها إلى مكان يناسبها، فسارعت إلى استئجار "بايكة" على حسابي الشخصي وتعود إلى العام 1956"، ويفيد بأن البايكة كانت تستخدم لتخزين الزيت والسمن والشعير قديماً.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

قبل وضع المقتنيات داخلها، كان لابد من تنظيفها وتهيئتها، فتعاون الفريق على أداء هذه المهمة، ثم قسّموها إلى غرف ووزّعوا القطع عليها حسب تصنيفها، تراث، آثار، قطع فنية، مشغولات يدوية، بينما تركوا الفناء الخارجي للأعمدة الضخمة وقطع الصخر والرخام، وأطلقوا عليها إسم "متحف القرارة الثقافي".

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

مشوار أبو لحية ورفاقه لم ينتهِ بعد. إنه في البداية ويحتاج إلى المزيد من العمل، فبعد أن أصبح المتحف حياً يزوره الناس وطلاب المدارس، حصل الفريق على دعم من "مؤسّسة داليا" ليجروا عملية ترميم للقطع داخل المتحف، لكن هذا لا يكفي، فبحسبه "مازلنا نسعى إلى الحصول على دعم أكبر ليصبح متحفاً وطنياً يستقبل الفلسطينيين وغيرهم من الزوّار".

يطمح أبو لحية اليوم إلى ربط المنهاج التعليمي بالآثار والتاريخ ليقترب الطلاب من تراثهم بشكل واقعي وليس عبر الكتب فحسب، ويضيف مؤكّداً إنه "دور كل فلسطيني مُحب وغيور على وطنه".

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

لكن هناك من سبق أبو لحية بسنوات إلى هذه المهمة. إنه وليد العقاد، الباحث في التاريخ والآثار الفلسطينية، صاحب "متحف العقاد الثقافي للتراث والآثار والفنون"، الذي يعدّ من أهم حاضنات التراث في فلسطين، حيث يضم ما يقرب من 2800 قطعة أثرية جمعها بمجهوده الشخصي واشترى بعضها على نفقته من أشخاص عثروا عليها.

العقاد تحدث للميادين الثقافية قائلاً إنه بدأ بإنشاء المتحف سراً في العام 1975 "بسبب وجود الاحتلال الإسرائيلي، الذي كثيراً ما طمس وشوّه المناطق الأثرية في القطاع إما بالقصف أو بالتجريف، أو بالسرقات التي جرت على يد رئيس أركان جيش الاحتلال سابقاً، الذي يُعدُّ أكبر سارق للآثار الفلسطينية بإشراف فرقة منظمة لسرقة آثار غزّة تحديداً".

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

ومع أن المتحف يقع في خانيونس أيضاً، إلا أن مقتنياته جُمِعت من كافة أرجاء القطاع، وتتنوّع بين المشغولات، والمسكوكات، الحلي، الأواني الفخارية، الأسلحة القديمة، نماذج القبور، الأضرحة، التيجان، الزخارف، الأشكال الهندسية والكتابة القديمة، إضافة إلى آلات الموسيقى مثل الربابة، الشبابة، اليرغول، وقسم الضيافة العربي بأدواته، مثل دلّة القهوة، المهباش، وسيف هندواني قديم عمره 450 عاماً، يعود لوالده وهو متوارث أباً عن جد.

وينوّه العقاد إلى أن هذه المقتنيات "فريدة من نوعها ومرتّبة حسب تسلسلها الزمني، حيث تم عرض آثار العصر البرونزي، ثم تلتها آثار العصر الحديدي، ثم الهلنستي واليوناني والروماني والبيزنطي وأخيراً الإسلامي".

 

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

يرفض العقاد بيع أية قطعة من مقتنياته، مؤكّداً أنه جمعها لحفظها من الاندثار والسرقة، وهو يفتح متحفه مجاناً لجميع الزوّار من داخل فلسطين وخارجها، وفي الوقت ذاته يلفت إلى وجود أشخاص باعوا بعض القطع الأثرية التي بحوزتهم وبمبالغ مرتفعة.

كما العقاد وأبو لحية هناك أشخاص هواة غير مختصين في علم الآثار، لكنهم يقتنون عشرات القطع الأثرية التي تعود إلى عصور قديمة، أغلبها تم شراؤها أو العثور عليها، ويعرضونها في منازلهم أو يشكّلون بها متاحفهم الخاصة.

  • محاولات فردية لإعادة الآثار إلى الحياة

وكانت وزارة السياحة والآثار قد أكّدت على لسان نائب مديرها العام أحمد البرش عن "وجود اتفاقية تمنع الأشخاص الذي يمتلكون قطعاً أثرية من بيعها أو التصرّف بها، وتهتم الوزارة بوسم كل قطعة لدى مالكها برقم خاص لحفظها وحمايتها"، كما تحدّث عن اتفاقيةٍ لإنشاء متحف وطني على أرض مخصّصة بمساحة خمسة ألاف متر مربع، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى اللحظة، وذلك لقلّة الإمكانات والدعم المخصّص لإنشاء هذا المتحف، بحسب الوزارة، لكنها ترحّب بأي مجهود فردي أو من قبل جماعات يسهمون في الحفاظ على التراث.

الجدير بالذكر أن وزارة السياحة والآثار تقوم حالياً بترميم منطقتيّ تل أم عامر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزّة، وموقع البلاخية شمال القطاع.

ومن باب "من ليس له ماضٍ ليس له حاضر"، يبدو أن مهمة حفظ التراث باتت قضية لدى شعب مكلوم يتم التآمر عليه كل حين لطمس وتشويه هويّته، لذا تجد الجهود الفردية تهبّ لحماية تراثها من دون انتظار الدعم الحكومي وتوفّر الإمكانات.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً