فاطمة خليفة

صحافية وكاتبة لبنانية. انضمت إلى الميادين نت عام 2016.

لماذا يحب الناس "الأشرار"؟

لماذا حصد فيلم جوكر اهتمام الناس وبطله شخصية تحوّلت إلى شخصية فظة ولو قابلناها في الشارع لابتعدنا عنها؟ هل من الطبيعي أن يضربك أحدهم على وجهك فتوجه إلى قلبه رصاصة؟ وهل من المنطقي أن يكون القتل هو المسافة بين الفعل وردة الفعل؟

  • لماذا يحب الناس الأشرار؟

 

ترتفع نسبة مشاهدة الأفلام التي تعطي حساً بالثأر على الأشياء، والانتفاضة على الذات والواقع. يحب المشاهدون رؤية التمرّد ولو كان في جزر "الواق واق"، يستسيغهم الخروج عن النص والمألوف، بمشاهدة الأفلام مثلاً، يفجرون غضبهم الذي لا يستطيعون رميه في وجه الواقع، في الكتابة، تنسكب الآراء يتجرّد على الورق، إلا لو كان النصّ سينشر في مواقع تابعة لسياسات معينة. الحقيقة في كل المجتمعات تقول إن ما يصل آخر الشهر الى الجيوب ينسي الإنسان تمرّده، ويهدئ من روعه، فيميل للخضوع إلى القواعد والنظام، والبيئة، ورب العمل. التمرّد بحاجة إلى قوة مادية ومعنوية ونفسية، والقوة قلما تأتي من ضعيف.

عندما يقع  في هذه البلاد شيء ما، حدث ما، تقوم قيامة رواد مواقع التواصل، شجب وندب وتنديد وربما تصفيق، يفرّغ المواطن طاقته الثورية في كلمات مختصرة إذا قرر أن يغرّد، ويسهب في الحديث إذا اختار نشر آرائه "نشراً"، فالكتابة على منبر تواصلي تزود الإنسان برضا خفي عن الذات، يشعر وكأنه تضامن مع هذه القضية، أو أدانها، وقد أدى بذلك قسطه إلى العلى، وفرّغ مكنونات الشعور فيه، فيتحول أيّ حدث سياسي، معيشي، أو اجتماعي، إلى ترند (TREND) على مواقع التواصل، الجميع يدلون بدلوهم هناك، وعندما يعلم أبناء الحي ورفاق مقاعد الدراسة والزملاء في العمل مواقفهم، هذا يكفي، هذا جل ما يريدونه.

في  مجال صناعة الأفلام وإدارة الإخراج، يدرك الكتّاب عادة ما يستهوي المشاهد، ما يجعله يتضامن ويثور ويتحمس ويبكي، فيختارون ما هو غير متاح، صعب الوصول، بعيد المنال، يختارون القصة الخيالية القريبة إلى الواقع، والبطل الخرافي الذي يستطيع فعل ما لا يستطيع الجمهور فعله، لذلك يأخذون المشاهد الى اللامعقول، غير المتوقع، إلى ما لا يمكن حدوثه، فيستميلون عيون المشاهد وقلبه نحو المادة الفنية، فيتضامن المشاهد مع البطل الخارق أياً كانت الحدود التي يتجاوزها، والأعراف التي يخترقها، والقواعد المنطقية الذي يهزّها.

أُنتِجت في الأعوام الأخيرة أفلامٌ عديدة كانت حديث المواسم لما احتوته من مواد غير قابلة للتحقيق، لكنها قابلة للتصديق، إحدى هذه الأفلام وآخرها الفيلم الأميركي جوكر (JOKER)، الذي أُنتج عام 2019. 

  • ارتدى المحتجّون على أنظمتهم أقنعة جوكر، طلباً للضحك المحق!

 

جوكر كان يضحك لأن لديه متلازمة تجعله يضحك بطريقة لا إرادية، وعندما ينزعج أحد منه كان يظهر البطاقة التي تشرح معاناته ويريها للناس التي أصرّت مع ذلك على إساءة معاملته. ذهب إلى معالجة نفسية لكنها لم تقدّم له أيّ مساعدة حقيقية. كان يتناول 7 أدوية، تركه والده هو وأمه، ثم اكتشف أن أمه لم تكن هي أمه، فقتلها. ظلمه أقرب الناس إليه، ثم المجتمع، فتحوّل إلى قاتل ثائر، عارف بما يدور حوله من ظلم للفقراء. 

تحوّل المهرج آرثر فليك، الشخصية المضطربة نفسياً في الفيلم إلى "الجوكر" ، وأدّى دور المجرم والقاتل جراء اضطراباته. في أحد مشاهد الفيلم، دُق باب البيت، واستقبل جوكر اثنين من أصدقائه، قتل أحدهما، ثم فتح الباب للآخر وقال له "أخرج، سأفتح لك الباب، أنت الوحيد الذي عاملني بلطف فقط"! 

عملياً، يعاني آلاف الأشخاص حول العالم من المعاملة غير اللطيفة، نسبةً لاضطراباتهم النفسية التي تولد في بعض الأحيان طبعاً "فظاً"، أو طباعاً منفّرة، أو ربما لا لشيء، يعاملون معاملة غير لطيفة وكفى، هذا لا يعني أنهم سيئون أو جيدون، هذا خارج نطاق البحث، لكنّ الطباع تختلف، فلا يجد الكثيرون معاملة جيدة، ربما من مدير أو رب عمل، أو أستاذ، هل يعني هذا أن الآخرين يستحقون عقوبة؟ "أليست الرغبة بأن تكون محبوباً هي الوهم الأخير؟ تخلَّ عنها وستكون حراً؟". هل رغبتنا بأن نكون "محبوبين" هي التي تصنع شعور النقص فينا؟ هل علينا أن نكون محبوبين من الجميع فعلاً؟ وهل الاضطراب النفسي الذي طغى على "جوكر" لأنه لم يُعامل بلطف لـ"فظاظة" كانت تستجدي الحبّ؟ 

  • تعاطف الكثيرون مع جوكر ضدّ من أذوه لأن ما أصابه أصاب أحداً منّا في مرحلة ما

 

تعاطف الكثيرون مع جوكر لأسباب منطقية. جوكر كان مريضاً ونبذه المجتمع. تعاطفوا معه ضدّ من أذوه لأن ما أصابه أصاب أحداً منّا في مرحلة ما. وثّق جوكر الكوميديا بـ"موضوعية" وقال إن "الجميع فظ وهذا ما يدفعنا إلى الجنون"، ثار على النظام الذي يعرف ويقرر كل شيء، المضحك من عدمه، نوع النكات التي نضحك عليها، اعتبر أن ما تفعله الأنظمة مبرّر كافٍ للجنون، وحذرها من ألا تبقي للناس أيّ شيء يخسرونه، لأنه لا شيء أخطر من إنسان ليس لديه ما يخسره.

أنهى جوكر الفيلم بضحكة، لم يبررها، قال حتى لو أخبرتكم النكتة، لن تفهموها! لامس قلوب المشاهدين جميعاً، من تعاطف وحذر وندد به، لفت انتباه كل من شاهده، ولم يبقَ في "جوكر" في دور السينما فقط، أصبح رمزاً احتجاجياً، ارتدى الناس قناعه في الثورات، في العراق ولبنان، عبر إلى هونغ كونغ وتشيلي، ورسم مجموعة من فناني الرسوم في لبنان على الجدران لوحة جدارية للمهرج الكئيب وهو يحمل المولوتوف.

ارتدى المحتجّون على أنظمتهم أقنعة جوكر، طلباً للضحك المحق، واعتراضاً على السياسات الاقتصادية التي توصل للفقر والحاجة والجنون، لكن عادةً ما تكون تصرفات "الأشرار" مثيرة ومحفزة للشغف وممتعة، لذلك يعجب الجمهور غالباً بالشخصية "السيئة" التي يجسدها البطل، على الرغم من أن "جوكر" أصبح "شريراً" لأنه لم يُفهم، ولم يسمعه أحد، لكن هذا لا يعني أننا سنتقبل تلك الشخصية إن كانت واقعية فعلاً، وهذا خطير.

لا تتقبل مجتمعاتنا المريض النفسي لأنها لا تفهمه، وغير مجهزة كي تتعامل معه أساساً، وهذا ما يجعلنا نتعاطف مع هذه الأفلام، نحن الذين يزعجنا ألا نكون محبوبين، وننزعج لأن لا أحد يضحك على النكات التي نجدها ظريفة. جميعنا فعلنا مثل جوكر في مرحلة ما، لبسنا قناعاً مزيفاً لنقول أننا بخير، وقناعاً لنقول إننا سعداء، وآخر لنثور على النظام الذي يتفنن في إفقارنا. جوكر ليس فيلماً وكفى، هو احتجاج عالي النبرة، وانتفاضة على الذين لا يريدون أن يفهموننا، ويستكثرون علينا حتى الضحك.

 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً