نقولا طعمه

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

لينا الأبيض تستعيد "أزمة" منتصف العمر

مسرحية المخرجة لينا الأبيض الجديدة التي تحمل عنوان "حبيبتي رجعي عالتخت" تستلهم "أزمة" متوسط العمر عند السيدات المتزوجات. فهي تعالجها بطريقة كوميدية استدعت فيها التجاوزات التي بات مسلماً بها لثقافة وفن "ما بعد الحداثة"، لتقدمها للجمهور في إطار محبب، فكاهي، أكثر مما هو كلاسيكي.

لينا أبيض تستعيد "أزمة" منتصف العمر

أطلقت "فرقة 8:30" المسرحية (شركة مسرح بيروت) عروض مسرحية "حبيبتي رجعي عالتخت" للموسم المقبل، لمخرجتها لينا الأبيض، وهي اقتباس عن "فتنة جميلة" للأميركي غريغ كاليراس، ترجمتها الممثلة سحر عساف وطارق تميم، وعرضت في مسرح المدينة في الحمرا.

وإذ يبدو عنوان المسرحية صادماً ويتضمن إيحاءات، إلا أنها في الواقع تتخطى ذلك إلى استلهام "أزمة" متوسط العمر عند السيدات المتزوجات. فهي تعالجها بطريقة كوميدية استدعت فيها التجاوزات التي باتت مسلماً بها لثقافة وفن "ما بعد الحداثة"، لتقدمها للجمهور في إطار محبب، فكاهي، أكثر مما هو كلاسيكي. وبين المنحيين، فقدت المسرحية بعضاً من المنطق، ربما هو مسموح في المسرح على غرار ما هو مسموح في الشعر حيث "يحق للشاعر ما لا يحق لغيره"، وأحبطت في هذه المحاولة حالة التأزم التصاعدية التي يستدعيها جمال المسرح، في مرحلة من مراحل تأزم الإيقاع المسرحي.

ببساطة وتكاليف زهيدة، بدت قاعة المسرح الضيقة مسرحاً متكاملاً، والحلبة فرشة واسعة من الاسفنج، مغطاة بدثار أبيض يساهم في تظهير المشاهد والعرض بمختلف عناصره. والمدرجات أقرب إلى لعب الأولاد لكنها استوعبت عدداً هاماً من المشاهدين الذين اكتظت بهم الصالة الصغيرة المتواضعة، الحاملة اسم قاعة جون ليتلوود، تيمناً بالمخرجة المسرحية الانكليزية التي درست في "الأكاديمية الملكية لفنون المسرح"، وطورت في محترفات وورش العمل المسرحي، وعرفت ب"أم المسرح الحديث".

إذاً، الزوجة اكتشفت نفسها فجأة أنها لا تحب زوجها بعد سبع سنوات. فرضية يحق للكاتب أن ينطلق منها، لكنه يقدم فيها أزمة منتصف العمر للسيدات المتزوجات، حيث تمر كثير من الزوجات في أزمة كره البيت، والزوج، وحتى الأولاد، لكن، لا تكون فجائية، بل بعد أن تكون الزوجة قد أمضت فترة طويلة من شبابها في هموم البيت والعمل. وينطبق هذا الواقع على الإناث اللواتي يتزوجن مبكراً، في العشرينات من أعمارهن، بينما  الزوجة لين وصلت إلى عتبة الأربعين بعد سبع سنوات، أي أنها عاشت طفولتها، وشبابها حرة قبل منتصف العمر، ولا يجوز اعتبار أنها دخلت أزمة منتصف العمر في هكذا ظروف.

المعالجة، رغم ثغرة الزمن وفوارقه، كانت معالجة فنية، راقية بامتياز، تعبر عن احترافية لا تحتاج مخرجة كلينا الأبيض لشهادتها، ولا الفنانة المسرحية سحر عساف بطاقتها التمثيلية الاحترافية، وتعابيرها المتواصلة للغضب والاعتراض الدائمين بحرفية غير مهادنة، وبجسد مطواع لكل الظروف المشهدية التي يحتاجها العمل.

والزوج جاد - إيلي يوسف - الذي لعب دور الزوج الحكيم، المتفهم، الطويل الأناة، الذي لاحظ فقدان حبيبته لحبها له، وهو مندهش للوصول معها إلى هذه الحالة، لا يريد التخلي عنها حتى لو حلت أزمتها بعلاقة حب عابرة مع غيره، ويحاول عبثاً إعادتها إلى "حظيرة" الغرام مستنزفاً كل ما يمكن للعقل أن يخترعه علاجاً لأزمات الحب التي يعانيها الأزواج، إن في العلاقات العاطفية، أم بعدها في الزواج.

في الحصيلة يصبح الإثنان غاضبين، ويعجز الزوج جاد عن إعادتها إلى ما كانت عليه، وهذا منطقي، فالزوجة عادة، متى وصلت إلى هذه المرحلة، لا يمكن لا للإقناع ولا للتجريب أن يعيدها إلى ماضيها، وقد لا تعود مطلقاً، وإن عادت فبعد مرور وقت طويل تكون خلاله قد استنزفت رهانات بدائل روتين الزواج وإرهاقاته.

ينجح العرض في جزئه الأول نجاحاً باهراً في تصعيد التأزم بين معاناة الزوجة، ورفضها لزوجها، وبين محاولات جاد الدؤوبة للرجوع بالساعة إلى الوراء. يصل التأزم ذروته بجمالية تفاعلية عالية، لكن إدخال مشهد شركة التأمين، استخدمه جاد كعلاج للمشكلة، يخفف شحنة التأزيم التي انطلقت من أول العرض حتى ما بعد منتصفه، ونشعر بإحباط عاطفي مع خروج لين من تأزمها لتؤدي دوراً مغاير المزاج، مما أفقد المسرحية مسار التوتر المسرحي الجميل، وكبح بعضاً من مساره التصاعدي، ساهم فيه تمدد الحوار بالوتيرة عينها وبالمنطق ذاته، مما أطال المسرحية التي كان يفترض أن تنقطع عند فشل الزوج برد زوجته إلى حالة حبهما السابقة.

ثم لا يلبث العرض أن يعود للتأزم مع فشل جاد بإعادة لين إلى الوراء، وهو فشل طبيعي، لكن المفارقة أن تذهب المخرجة في النهاية إلى خلاصة غير منطقية بموت الزوجين. ربما أرادت الأبيض أن تنعي مفاعيل الزواج، أو عبرت عن حالة اليأس من نجاح فكرة الحب، لكن الحصيلة ليست كذلك عادة مع الزوجات المتأزمات في منتصف العمر.

ما نزال نعاني في معالجة العلاقات العاطفية، قبل الزواج، وبزواج أو من دونه، من فهم منقوص لما تفترضه العلاقات العاطفية بهدف نجاحها، وهو أن طبائع الذكور وطبائع الإناث ليست متطابقة في أداءاتها وفي تجلياتها خلال العلاقة، والسبب هو الدور الطبيعي للذكور (التبذير)، المختلف اختلافاً كلياً عن الدور الطبيعي للمرأة (الاحتضان).

لكن الإنسان، وفي عمليات تأطيره الاجتماعية يضع الإثنين في موقف واحد، ويفرض عليهما وظيفة متشابهة، والوصول بعلاقتهما إلى بناء العائلة، وإعادة إنتاج البنية الاجتماعية من ألفها إلى يائها، ومن أول عمر الإنسان حتى موته، ومن هنا، جوهر تأزم العلاقات، وتعميم صيغ الفشل بها، والشعور باليأس والإحباط من نجاحها نجاحاً دائماً ومستمراً وطويلاً. إنه تعارض الوظائف الطبيعية للانسان مع الوظائف الاجتماعية المطلوبة منه، ومن هذا المنطلق، أمكن لأبيض أن تستخدم حال الوفاة للزوجين، تعبيراً عن استحالة نجاح الحب في تجربة منتصف العمر التي يفترض أن لا تؤدي إلى الموت. 

الرموز التي استخدمت في تقنيات العمل رائدة في إبداعاتها، بدءاً من استخدام الشرشف وقوفاً للتعبير عن الفراش نياماً، وكل ما يجري من تطورات هي في ظله، أي في "التخت" المطلوب من الزوجة العودة إليه. استخدام العتمة للفصل والإيحاء بحدوث التواصل الجسدي، والاستبدال الخاطىء من قبل الزوجين لسرواليهما بعد حفلة حب في العتمة، تؤشر لحدوث التواصل. إيحاءات رمزية أخرى سهلتها مرونة ومطواعية جسدية لعساف، مع قدرة تفاعلية ليوسف قدمت مشهديات حركية فنية جميلة كسرت احتمالات رتابة الحوار الدائم، والطويل بين ممثلين اثنين استطاعا احتلال حوارات المسرحية دون رتابة، ولا ملل.

والإنجاز الأكبر تم على أيدٍ احترافية في تحضير المسرح وإعداده في مساحة ضيقة، هي غرفة سفلية لمبنى "مسرح المدينة" المستضيف للعروض، والأول منه جرى بحضور مستثمرته الفنانة نضال الأشقر.

وسبق للمسرحية أن عرضت في بيروت في العام ٢٠١٢ على مسرح بابل.