رنا كواليت

ناشطة إجتماعية من الأردن

هناك بيتي

كلما ذهبت إلى القدس تقف على بعد أمتار من منزل عائلتها وتنظر إليه بحسرة. تشعر وكأن شريط ذكريات حياتها يمر أمامها. كما لو أنه كان البارحة. تودّ لو تصرخ للمارة وتقول "ذلك هو بيتي، بيت أهلي الذي سُلِبَ منا". تريد العبور من عتبته والتنقل بين غرفه مستذكرة الماضي.

هناك بيتي

هناك بعض الأمور التي لا يدركها البشر، إذ تبدو لمعظم الناس بأنها أمور مسلّم بها تشكّل جزءاً من روتين ونظام حياة الإنسان، ومنها الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل، وتناول الطعام في أوقات معينة من اليوم، والعيش في منزل وضمن حيّ أو مجتمع. لكن لبعض آخر من الناس، تشكل هذه الأمور حلماً بعيد المنال، إما بسبب الفقر، أو الحرب، أو نتيجة كارثة طبيعية، فتصبح الحاجات البشرية الأساسية غاية وأُمنية لأشخاص حُرِموا منها.

ففي إحدى الأيام وفيما كنا ننتظر بدء حصّة الرياضة، أخذن السيدات المشاركات كعادتهن في تناول مواضيع شتّى والحديث عنها، وقد حينذاك عن الوضع في المنطقة العربية، حيث تطرقن في حديثهن إلى قرار الرئيس الأميركي في نقل سفارة بلاده إلى القدس وتداعيات هذا القرار. إذ يشغل هذا القرار الصادِم الشعوب العربية التي أعلن معظمها عن استنفار عام، ومن هذا الحديث أخذت سيّدتين إحداهما مقدسية والأخرى متزوّجة من مقدسي في الحديث عن ذكرياتهما في القدس، وعما رواه أباؤهما من قصص عن تلك الأيام، فما كان مني إلا أن بادرت بسؤال السيّدة المتزوّجة من مقدسي إن تسنّت لها زيارة القدس، فقالت بأنها ذهبت هي وعائلة زوجها إلى هناك مرة واحدة بعد بضع سنوات من نكبة عام 1948.

وأوضحت كيف عندما وصلوا الحيّ الذي يقع فيه بيت العائلة قبل أن يتم الاستيلاء عليه، استفاضت المشاعر من أخت زوجها التي شعرت بالحنين الممزوج بالحسرة فسارعت بالتوجّه إلى المنزل وطرقت الباب، ففتحت لها سيّدة سألتها عما تريد، فقالت بأنها تودّ أن تدخل لتلقي نظرة على المنزل الذي هو بيت عائلتها، فتجهّمت السيّدة في وجهها وأمرتها وهي تصرخ بأن تذهب بعيداً ولا تعاود المجيء إلى هنا فهذا المنزل منزلها ولم يكن في يوم من الأيام ملك أيّ أحد آخر.

أقسم زوج السيّدة بألا تطأ قدماه أرض وطنه التي دنّسها الاحتلال، ولم يعاود أحد من أفراد العائلة الذهاب إلى فلسطين. أما السيّدة المقدسية الأخرى فقالت إنها كلما ذهبت إلى القدس تقف على بعد أمتار من منزل عائلتها وتنظر إليه بحسرة. تشعر وكأن شريط ذكريات حياتها يمر أمامها. كما لو أنه كل ما جرى كان البارحة. تودّ لو تصرخ للمارة وتقول "ذلك هو بيتي، بيت أهلي الذي سُلِبَ منا". تريد العبور من عتبته والتنقل بين غرفه مستذكرة الماضي، لكنها تعلم بألا فائدة من الصراخ، ولا من التعبير، فمنزل أهلها لن يعود بالصراخ.

هاتان القصتان هما كقطرتي ماء في بحر من القصص المشابهة لشعب لم يُسلَب المنزل فقط، بل سُلِب أيضاً أبسط الحقوق الإنسانية وأدنى مقوّمات العيش من تعليم وصحّة وأمان، هجُّر وشُرّد، وأصبحت المخيمات للكثير منه بمثابة المنزل والحيّ والرقعة الجغرافية التي أوجد عليها رغماً عنه. 

لا تشبه مُعاناة الشعب الفلسطيني أيّ شعب آخر على مرّ التاريخ، ولكن اليوم أصبح العديد من العرب من سوريين وعراقيين وغيرهم يعيشون حال الشتات، فحتى بعض الذين ما زالوا يعيشون على أرضهم فإن كرامتهم تُنتهك!


 

التعليقات

}