هناء الحاج

كاتبة من لبنان

صامتون، منسيون

سنكون في مكانٍ ما، لا نعرفُه بالضبط، صامتون، منسيون، والأهم محترمون. ربما سنكون في مكان تافه أو شقيٍ. وسنرقد على رجاء القيامة. فكّرَ وهو يرنو إلى الأفق.

صامتون، منسيون
صامتون، منسيون

الاضاءةُ خافتةٌ ظليلةٌ. تركَ الشارعَ بضوضائه وسارَ حاملاً وجهَهُ العجوزَ البائسَ وابتسامتَهُ المتزلّفةِ بعيدًا عن قذارةِ منزلِه. ضوءٌ صغيرٌ شاحبٌ ينبعثُ من المقهى الصغير المتواضع الذي اعتادَ الخروجَ منه غانِمًا بفريسةٍ جميلةٍ صغيرةٍ. هذه المرة بدا متوتّرًا، يقفُ ويجلسُ بعصبيّةٍ ولا يستقرُّ على حال. كانت مشاعرُه تتراوحُ بين اللهفةِ المتوثّبةِ إلى اللقاء الجميل وهواجسِ القلقِ إنْ عادَ وحيدًا يقضمُ أظافرَهُ ندمًا. كان ظلامُ الليلِ ينسحبُ إيذانًا بصباحٍ جديد أكثرَ جمالاً عندما عادَ مع امرأته إلى حجرتِه.

آثارُ النعاسِ على وجهِها تجعلُها أشبه بطفلةٍ وديعةٍ مستسلمةٍ. نظرةٌ واحدةٌ تكفيه لكي ينفُذَ إلى أعماقِها. اختبآ من حياتِهما اليومية. هو اعتقدَ أنه امتلكَ الجمال وهي بكَتْ متألّمةً من ضميرِها الذي يُؤرقُها. لكنّ هذه اللحظات القصيرة من طمأنينة السعادة تُعطيها دليلاً على أنّ حياتَها البائسةَ موفّقةٌ على نحوٍ ما برغم كل شيء. المرأة بالنسبة له جمالٌ يُضيء التعب، ويوقظُ الموسيقى الغافية في نفس كلِ رجل. كلُّ واحدةٍ ولها نورُها. أما تجاربُه الحافلةُ والمتنوّعةُ فجعلَتْ منه خبيرًا حقيقيًا في اختيارِ النجمةِ الوحيدة الحقيقية. بالكادِ كان منتبهًا لما يجري خلال الجنازةِ.

كان يجلسُ بحذرٍ على المقعدِ الأمامي الطويل مُمسكًا يدًا بيدٍ وواعٍ بصعوبةٍ لما حولَه أو لمراسم الدفن. خطابُ الكاهن، حضورُ المعزّين، ترتيلُ الجوقةِ الكنسيّةِ، كلُّ ذلك لم ينتبه إليه. والدُه الذي سار على خطاه يتوسّلُ من أجلِ حياتِه. من أجلِ إبقائه حيًّا لحظةً أو سنةً أو عمرًا. كانت عيناهُ شاخصتيْن نحو سقفِ الكنيسة على شاكلة القديسين لكنّ شيطانًا في أعماقه يُغريه ويذكّره بالمرأةِ التي استجابت لجلستِه. يبستمُ بخبْثٍ ويحاولُ أن ينجوَ من ضحكتِهِ لأنّ حضورَ الكاهنِ في غايةِ الحزمِ ويوقعُ الرهبةَ في نفسِه.

هناك تعلّمَ المهنةَ، وهناك تمرّغَ في القذارةِ. لم يجدْ في ذلك المقهى التعاليمَ التي يحتاجُها كلُ رجلٍ لأنه ورثَها عن أبيه تمامًا كما يرثُ الابناءُ مصلحةَ الآباء. إنتظرَ تتمّةَ الجنازةِ على غير طائل، وبقدر ما كانت الدقائقُ تنقضي كان يتّضحُ له أنه ليس في المكان المناسب. في المساء وبابتسامة واحدة، محى جميعَ نذائر الشؤم التي أرهقَه بها والده عند موته. كلّنا سيجفُ الطينُ الذي جُبلْنا منه، وكلُنا سيأخذُنا الملاك من كتفيْنا ونختفي بين الضباب والغيوم أو في البحار.

الساهرون على الارض، حارسو السماوات والأرض وحدُهم سيدونون بهدوء على دفاترهم ما يجري في حيواتنا ويُرسلونه إلى حيث يعلمُ اللهُ وحدُه أين!

سنكون في مكانٍ ما، لا نعرفُه بالضبط، صامتون، منسيون، والأهم محترمون. ربما سنكون في مكان تافه أو شقيٍ. وسنرقد على رجاء القيامة. فكّرَ وهو يرنو إلى الأفق.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً