حسن المقداد

شاعر لبناني

لأصير ناياً

تعالي واقطفي رمّانَ قلبي ولا تتلبّسي أحداً سوايا

لأصير ناياً

أمام البحر

ناسٌ يهربونَ من المدينةِ لاعتناقِ الماء
وجهٌ أزرقٌ في الحرِّ جذّابُ

خطاهم في مشاع الرّملِ بصماتٌ
يجيءُ الموجُ من بعدٍ خرافيٍّ ويمحوها
فهل للشاطئ المفتوحِ ذاكرةٌ؟
وهل للبحرِ غيرُ الأزرق الكحلي
هل للبحرِ أحبابُ؟

أرى رجليَّ فوق الرّمل خارطةً
فأرتابُ..

وتملأني مساحاتٌ من الشّوق العميق
لمن؟
أشكُّ بطفلةٍ سمراءَ في العشرين
هادئةٍ
لها عينان بندقتانِ
تفهمُ منطقَ الأشياء
تشبهُ تمتماتِ اللوز للعنّاب
أنثى اللوز عنّابُ

تلاقَينا أمام القلعةِ العاجيّةِ الأضلاع
دلّتني على التوليب
زرتُ الكوكبَ الغربيَّ
أغوتني لأمسك فكرتي بيديَّ
ضمّتني بكلِ تلهُّفِ الأنثى لفارسها
تفارقنا.. وقلتُ لها أراكِ غداً
وجاءَ غدٌ.. وبعدُ غدٍ
ونحنُ اليومَ أغرابُ

أنا رملٌ يذوب الآن
ذكراها التي مرّت على شفتيَّ
"سرسابُ"

تدغدغني رمالُ البحرِ يا سفنُ
وتحملني على أكتافها المدنُ
تذكّرني بأنثايَ التي جلست
بأحضاني فقلتُ: كأنّكِ الوطنُ!

وتمرقُ نسمةٌ في البال
مشبعةٌ برائحةِ الغناءِ السّهل
فأرسمُ صورةً للطّفلةِ السّمراء فوقَ الرّمل

وأنتظرُ ارتباكَ البحرِ
يأتي خائفاً من زخمِ صورتها
ويمحوها على عَجَلٍ
أأنتَ تخافُ أيضاً من تذكّرِ فكرةٍ أنثى؟
لذا تبقى مثاراً
عامراً بالموجِ يا بحرُ؟

أمِن شوقٍ عميقٍ في خلايا الملح
يأتي المدُّ والجزرُ؟

أمِن أرَقٍ تظلُّ تمدُّ أمواجاً وترجعها
إلى أن ينتهي الدّهرُ؟

وهل يدري بكَ النّهرُ الذي يلقاكَ مبتسماً
ويغرقُ فيك
هل يدري بكَ النّهرُ؟

أنا أُخفي
أتُخفي أنت؟
وحينَ دخلتَ في أحضانِ سيّدةٍ
تحاصرُ صمتكَ الأبديَّ
هل أذعنت؟
وهل دوّنت شوقَ الملحِ فوقَ عذوبةِ الشّفتينِ
هل دوّنت؟

أنا دوّنت
أنا علّمتُها لغتي بأبسطِ صورةٍ:
قُبلة
تكثّفَ حسّيَ الكونيُّ
هزّتني بخيطٍ من ملامحها
وحينَ اسَّاقطت رُطَباً كناياتي
شككتُ بأبسطِ الأفكارِ
هل أنا شاعرٌ بالفعل
أم نخلة؟

قرأتُ على جدائلها "المعوِّذتين"
بخّرتُ ابتسامتها
لأحميَها من الحزنِ الذي في الجوِّ
أهدتني أصابعها
فقبّلتُ البراعمَ مرَّتينِ ودختُ كالنّحلة
وقالت لي:
صلاةٌ تلكَ أم شغفٌ جنونيٌّ؟
فقلتُ لها:
أمامَ جنونِ هذا الرّاهبِ الممسوس
أنتِ البابُ والمحرابُ
والقِبلة!

ذنوبي أنتِ
ما السّبعُ الخطايا؟
وما خوفُ العيون
وما الزّوايا؟

أرى نفسي أمامي
أنتِ نفسي!
فكيفَ أمرُّ من بينِ المرايا؟

تعالي واقطفي رمّانَ قلبي
ولا تتلبّسي أحداً سوايا

تعالي واشربي جسدي ببطءٍ
وصيري شهقةً
لأصيرَ نايا