صالح الأشمر

كاتب ومترجم لبناني

الحبّ الذي كان (*)

أفهل يدوم حب خلا من الدهشة، والتوتر، وتوقع ما لا يتوقع؟ لا، مثل هذا الحب يذوي بمرور الزمن!

الحبّ الذي كان (*)

... وفيما كنت وحيداً أتنزه على ضفاف الذكريات التي جرى سيلها مدفوعاً بالمطر الغزير الذي خصّنا به شتاء هذا العام، رحت أتأمل في ما آلت إليه في الحب أحوالي.

ولقد تبيّن لي أن ليس في القلب كوّة مثل الثقب الأسود الذي تغرق فيه الأجرام السماوية، وتهوي إلى قاع لا قرار له، فتختفي صورة وأثراً. لكنه موئل تأوي إليه العواطف، والأهواء، والشهوات، والذكريات التي أحالتها دورة الزمن على التقاعد. هنالك تغفو زمناً، ثم تستيقظ كلما طرق باب القلب وافد جديد من حب قديم.

 ... كذلك تبدّى لي الحب كائناً سرمدياً يتوهج في أول أمره ثم يخبو شيئاً فشيئاً حتى لتكاد جذوته أن تنطفىء ... إلا أنه لا يموت. وبدا لي أن الحب جنس من الكائنات التي تدخل في طور البيات، في فصول البرد القارس أو القيظ الحارق، فيظن الجاهل أنها ماتت، وما هي إلا في سبات.

... بالأمس إستيقظ حب لي من سباته، دعاني إليه فأقبلت! وكلمني فلم أدرِ ما أقول.

... ثم لمّا سئلت عن الحب الذي كان أين صار؟ قلت: لا أدري!

ولّما قيل لي: ألم يبق في القلب منه أثر؟ قلت: في القلب لا أثر! لكنه لم يمحَ من سجل الذاكرة حيث ينزوي، كمعلم في أرض قفر، تحول عنها السالكون إلى الجادة الواضحة!

مثل هذه الجادة التي تجلس على رصيفها الآن؟

- ربما

أفلا يتفق أن تلتقي الحبيب الذي كان في هذا المكان؟

- قد يتفق!

فإن اتفق، هل يكون بينكما كلام أم تجاهل؟

- لا تجاهل، بل تغاضٍ!

فإن وجب أن ترفعا عنكما الحرج ببعض الكلام؟

- لو فعلنا لوقعت في حرج أكبر!

وما وجه الحرج في ابتسامة فكلام؟

- الحرج في استحالة جمر الهوى الذي كان إلى رماد!

ما الذي يا ترى، أخمد ذلك الجمر؟

- لا أدري، لعلها العادة، وطول الألفة، والطمأنينة!

أوتقتل العادة، والألفة، والطمأنينة الحب؟

- نعم، لأنها تقتل القلق، والدهشة، والمفاجأة!

وما العلاقة؟

- أفهل يدوم حب خلا من الدهشة، والتوتر، وتوقع ما لا يتوقع؟

لا، مثل هذا الحب يذوي بمرور الزمن!

- ولعل هذا هو الزمن الذي شكاه أبو صخر الهُذلي حيث يقول:

عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها،

فلمّا انقضى ما بيننا، سكن الدهرُ

فما هو إلا أن أراها فجاءة،

فأبهت، لا عرفٌ لديّ ولا نكرُ

 

(*) نصّ من كتاب "قلب بمنازل كثيرة" لصالح الأشمر، الصادر في العام 2017 عن منشورات الجمل. 


 

فاطمة

رندة

رباب

أدهم - دهماء

غسّان

التعليقات