عماد الدين رائف

صحافي وكاتب لبناني

إبن القيصر الروسي في بيروت سائحاً

يطلّ سكالون من إحدى شرفات القصر على بيوت الطين المُكعّبة الخفيضة التي لا تدخلها الشمس، والتي تأوي فقراء حيّ الرميل، وهم من الوافدين إلى بيروت. ثم يظهر هؤلاء الناس بأسمالهم البالية وقد جمعهم وجيه آل سرسق غير مرّة في باحة القصر ليهتفوا تمجيداً للأمير.

غلاف كتاب سكالون، طبعة سان بطرسبورغ 1881

حظِيَ كتاب "رحلة إلى الشرق والأراضي المقدّسة" الصادر في العاصمة القيصرية سان بطرسبورغ سنة 1881، باهتمام خاص من القرّاء الروس فاق الاهتمام بكُتب الرّحالة والبعثات العلمية والدينية، وذلك لاقتران عنوانه بعبارة "برفقة الأمير العظيم نيقولاي نيقولاييفيتش"، وسرعان ما نفدت الطبعة الأولى فأتبِعَت بثانية لتصل إلى كل أطراف الإمبراطورية. فالعنوان بحدّ ذاته كان عنصر جذب يُضاف إلى ما لدى الروس الأرثوذكس من ولَع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالأراضي المقدّسة، حيث كانوا يحجّون إليها بالآلاف.

كما شكّلت تفاصيل الرحلة التي دوّنها المرافق الدائم للأمير دميتري أنطونوفيتش سكالون (1840-1919) ورسم بعض معالمها الفنان يفغيني كيريلوفيتش ماكاروف (1842-1884)، فضولاً كبيراً عن تفاصيل حياة أحد أعضاء الأسرة الحاكمة، لما لهذه الأسرة من حضور دائم في أذهان مواطني روسيا القيصرية، حيث كانوا يتناقلون ما يردهم من أخبارها وتشكّل مادة يومية في أحاديثهم.

كان الأمير العظيم (فيليكي كنياز - لقب يُمنَح لابن القيصر) نقولاي نيقولاييفيتش (1831-1891) الملقّب بـ"الكبير"، ابن قيصر عموم روسيا نيقولاي الأول (1796-1855)، الذي قاد حرب القرم، أو الحرب الشرقيّة (1853-1856)، وقضى قبل سنة على انتهائها، وإبرام معاهدة باريس في 30 آذار/ مارس 1856. وكان ابنه الأمير نيقولاي، صاحب الرحلة، يحظى بشعبية كبيرة كقائد عسكري، شارك في جميع الحروب ضد الدولة العثمانية في زمانه ووصل إلى رتبة جنرال فيلد مارشال.

وقد انطلقت رحلته إلى الشرق من سان بطرسبورغ في 17 أيلول/ سبتمبر 1872، برفقة حاشية تألّفت من رفاقه العسكريين، وعدد من المرافقين، وأحدهم مدوّن الرحلة دميتري سكالون (من دي سكالون أي العسقلاني)، ذو الأصل الفلسطيني. ومن المناطق التي زارها الرّحالة بالإضافة إلى فلسطين، بيروت وبعلبك ودمشق والقاهرة. ويتضمّن الكتاب تفاصيل الاستقبالات الرسمية والجماهيرية والاحتفالات وزيارات الكنائس والكاتدرائيات واللقاءات بالحكّام المحليين والقناصل الأجانب ورجال الدين... وأراد سكالون أن يكون الجزء الأكثر وقعاً وتأثيراً من كتابه في ذهن القارئ الروسي تصويره مشهد المسير على درب الجلجلة الذي خاضه الأمير مع مرافقيه على خطى السيّد المسيح، وزيارتهم كنيسة القيامة في القدس وقبر الربّ.


نيقولاي في بيروت

الأمير نيقولاي نيقولاييفيتش على ظهر المركب

وصل نيقولاي نيقولاييفيتش إلى ثغر بيروت بحراً في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 1872، فحظيَ باستقبال رسمي وجماهيري حافل. وكانت بيروت بين العامين 1864 و1885، سنجقاً عثمانياً يحكمه مُتصرّف، وقبيل وصول الأمير إليها، كان الحُكم قد انتقل فيها من علي بك إلى قبرصلي كامل باشا، الذي نظّم الاستقبال في مينائها على جانب عدد كبير من الموظفين الرسميين. وقد خصّص سكالون الفصل السابع من كتابه لبيروت، وفي هذا الوصف سمتان، الأولى، التفخيم الدائم بالاستقبالات الرسميّة والحفاوة التي حظي بها الأمير، والثانية، الاحتشاد الشعبي الذي يبدو أنّه كان مُنظّماً كذلك، سواء من قِبَل الحاكم العثماني أو الكنيسة الأرثوذكسية أو أثرياء حييّ الأشرفية والرميل المتناميين إثر النزوح الكثيف من دمشق والمناطق السورية إلى بيروت بعد العام 1860. 

فإلى جانب الاستقبالات الرسميّة، وزيارة كنيسة القديس جاورجيوس، والإقامة في قصر سرسق، ورحلة السباحة في البحر المتوسّط، والترفيه عن الأمير بتنظيم حفل لعبة الخيل "الجريد" في حرش الصنوبر، وتناول طعام الفطور على ضفة نهر الكلب في 9 تشرين الأول/ أكتوبر، قبل المغادرة شرقاً نحو بعلبك والشام، نتلمّس في هذه الوثيقة بعض معالِم بيروت في تلك الفترة، وقد رواها سكالون بعين الشاهد.


بيروت والبحر

قلعة بيروت من البحر وسط زخرفة بريشة ماكاروف

جسّد الرسّام ماكاروف قلعة بيروت بلوحة افتتحت الفصل السابع من الكتاب وسط زخرفة، وفيها مركب صغير بشراعين يقترب من الشاطئ. يقول سكالون: على صدى هتاف الحجّاج الروس المُتجمّعين على الشاطئ انتقل الأمير وحاشيته من السفينة إلى مركب ذي مجاذيف واقتربنا من الضفة. وكانت الضفة الحجرية الضيّقة قد اكتظت بالمستقبلين، وقد احتلت السقوف المُسطّحة للمنازل الحجرية وأسوارها ونوافذها نساء بملاءات بيض... (بعد الاستقبال الرسميّ) جلسنا في عربة ذات أربعة مقاعد، وتوجّهنا إلى الكنيسة الأرثوذكسية. نهرني الأمير "لا تتثاءب!". وانطلقت عربته وانطلقنا إثرها.


نساء بيروت

على إحدى شرف قصر سرسق

"على الطريق أحاط بنا سكان المدينة من الجهتين، وكان لا بدّ من طرد الأطفال كي لا يقعوا تحت عجلات العربات، وعملت على ذلك فصيلتان من الفرسان المهاجرين البولنديين. وقد اكتظت الأسوار والمُدرّجات والسقوف بالناس، وأطلّوا برؤوسهم من بين أشجار الكينا والسرو والليمون. كان تجمّع النساء والأطفال مثيراً. بيروت ذات غالبية مسيحية ونساؤها مشكوفات الوجوه. لا يمكنني أن أقول إنّهن جميلات، لا، فملامحهن قاسية جداً ورتيبة. لكن بين الحين والآخر، ومن بين الجموع تظهر وجوه نساء فاتنات بكل ما للكلمة من معنى. هنّ ذوات عيون سود واسعة رائعة وأنوف دقيقة وبشرتهن بيضاء متألّقة. وتظهر كذلك من وسط الجموع وجوه نساء سوداوات، تكتمل بهنّ صورة الشرق".


لقاء المتروبوليت شاتيلا

الأمير ومرافقوه أمام أعمدة جوبيتير في هيليوبوليس بريشة ماكاروف

لا يستبعد أن يكون الأمير نيقولاي على معرفة شخصيّة بالمتروبوليت غفرئيل شاتيلا الدمشقي (1825-1901) على الرغم من عدم ذكر سكالون ذلك، فالمتروبوليت كان معروفاً في روسيا وحظيَ باحترام كبير هناك. فبعد فتنة الشام سنة 1860، ودمار الدار البطريركية ومجمع الكنائس فيها نزح غفرئيل عنها، وتمّت رسامته قسّاً، وفي 25 كانون الأول/ ديسمبر 1861 رقّاه البطريرك الأنطاكي إيروثيوس في كنيسة القديس سابا في القسطنطينية إلى رتبة أرشمندريت وعيّنه رئيساً للأمطوش الأنطاكي في موسكو ومعتمداً أنطاكياً في بطريركية موسكو، وبقي هناك نحو عشر سنوات، إلى أن انتخبه المجمع الأنطاكي متروبوليتاً على أبرشية بيروت وجبل لبنان. (مجلة المحبة، 3 كانون الأول/ ديسمبر 1901). وربما ذلك ما يبرّر اللقاء الودّي المُطوّل الخارج عن الرسميات والشكليات بين الأمير والمتروبوليت، فور النزول في ميناء بيروت.


فقراء ظاهر بيروت

حل الأمير ضيفاً على نقولا سرسق في قصره، وهو يقع في ظاهر بيروت خارج أسوارها، "وقيل لنا إن دخله السنوي يصل إلى ستين ألف ليرة ذهبية إنكليزيّة". وبعد وصف الاستقبال والقصر وغرفه وشرفاته، واستقبال الأمير في المدرسة الأرثوذكسية للبنين التي تحظى بدعم روسيا القيصرية، يطلّ سكالون من إحدى شرفات القصر على بيوت الطين المُكعّبة الخفيضة التي لا تدخلها الشمس، والتي تأوي فقراء حيّ الرميل، وهم من الوافدين إلى بيروت. ثم يظهر هؤلاء الناس بأسمالهم البالية وقد جمعهم وجيه آل سرسق غير مرّة في باحة القصر ليهتفوا تمجيداً للأمير.


 

التعليقات