فاطمة فقيه 

صحافية وكاتبة من لبنان

وحيدة كالشمس

عامان مرا؟ لم تحس بهما. كأن اللقاء الأخير كان منذ ...؟؟ حسناً، لن تقول يومين فهذه مبالغة، لكن يمكنها القول إنه وقت قصير لا تقدره بعامين. تتذكره كأنه البارحة، يوم جلسا على تلة يراقبان غروب الشمس. قال لها إن الشمس وحيدة، وحيدة جداً. كان اللقاء الأخير وتقمصت الشمس وصارت هي الوحيدة.

وحيدة كالشمس

كان لا يتعبه في الليل إلا صمتها حين يمتد أمام الباب، كالشارع كالحي القديم... توقف الأغنية عند هذه الجملة. تؤنث المذكر، وتذكر المؤنث. فهي التي لا يتعبها في الليل إلا صمته. هذا التعب يحصل في النهار أيضاً رغم انشغالها بالكثير من التفاصيل. تحاول اختلاق مشاغل أكثر وأكثر، لكنها لا تستطيع اقتلاعه من الجزء البعيد في عقلها وربما قلبها.

في الليل، تضع هاتفها تحت الوسادة. تنظر إليه بين الفينة والأخرى. لعله أرسل لها تحية، علماً أنها لا تسمع صوت استقبال الرسالة فهي لا تضبط الهاتف على وضعية الصامت.

الحقيقة، أنها على هذه الحال منذ سنتين، لكنها لا تبوح بذلك فهي لا تريد أن يحبطها اليائسون أو من يسمون أنفسهم بالواقعيين. سمعت منذ مدة في أحد البرامج مختصاً بالتنمية البشرية يقول إن علينا ألا نفقد الأمل، أن نلاحق ما نريده، وقرأت في مكان آخر أن ما نبحث عنه يبحث عنا، وما زالت...تبحث عنه.

في الصباح، قبل ذهابها للعمل، تتأنق ولا تغفل أي تفصيل في لباسها أو تسريحة شعرها، بسيطة كما يحب. في كل يوم جديد يولد لديها أمل جديد، بأنه اليوم الذي سيكلمها فيه ليلتقيا وستكون مستعدة. لا تخطط لشيء أو لأي لقاء، لا مواعيد ولا زيارات، إنها تنتظره فحسب.

عامان مرا؟ لم تحس بهما. كأن اللقاء الأخير كان منذ ...؟؟ حسناً، لن تقول يومين فهذه مبالغة، لكن يمكنها القول إنه وقت قصير لا تقدره بعامين. تتذكره كأنه البارحة، يوم جلسا على تلة يراقبان غروب الشمس. قال لها إن الشمس وحيدة، وحيدة جداً. كان اللقاء الأخير وتقمصت الشمس وصارت هي الوحيدة.

ما زال من غير الواضح بالنسبة لها حتى الآن كيف أن شخصاً نرى الحب يقيناً في عينيه يمكن أن يرحل من دون سبب. تختلق له الأعذار رغم نقمتها عليه. ربما كان يخاف الاقتراب أكثر. ربما كان لديه أسباباً تجهلها. أسباب تظنها عميقة وجدّية.

المناسبات تعطيها أملاً أكبر، كعيد ميلاده أو عيد ميلادها، أو عيد الحب الذي تعارضه ولم يحتفلا به يوماً، لكن يخيل إليها أنه قد يستغل أي مناسبة ليحادثها، ربما يقول لها أنه رآها في حلم فأله سيء فأراد الإطمنان عليها، أليست هذه ذريعة المشتاق البعيد؟

لكن هو لن يفعل ذلك، ولن تفهم سبب ذلك البعد يوماً. لا تظنوا أنها غبية تتعلق بحلم من نسج خيالها، فقد أحبها فعلاً. بعكس ما يقوله معظم العقلانيين أن المحب لا يبتعد، فهو محب ابتعد من دون حجج. وحده يعرف لم فعل ذلك. قد يكون هو نفسه لا يدري.

بعد سنة سيحاول الاتصال بها لكنها لن ترد عليه. ستزرر عينيها وتهز رأسها يمنة ويسرة. ستضحك ضحكة مكتومة وتكمل يومها بملابسها غير الأنيقة. تتحضر للخروج مع صديقاتها بعد أن استفاقت منذ يومين، وهي تبحث عن شيء آخر.