غفران مصطفى

صحافية لبنانية ومنتجة برامج في قناة الميادين

حبّ كدمع العنب

تؤمن بحبّ محشور في الرسائل العابرة، مثلما تصنع ألفة الأحلام في الوسادات. حب معتّق يعتصر في قلبها كدمع العنب.

حبّ كدمع العنب

لا تمتلئ بالحب بقدر ما يشفيها صوته من بعيد. البنت الغارقة بهمومها اليومية، الباحثة عنه في مساحات أوقاتها الفارغة. تلك التي ترغب بأن يكون موجوداً فيها ليعوّض لها عمّا فاتها منه. تفكر كيف تؤخذ بغواية الحكايات الصعبة، حين يحثّها شغف الحديث المتقطع لأن يستمر إلى الأبد، بلا أي وجهة ولا مآل مريح. تحبه هكذا، أن يبقى في دائرة الأرق الذي يبدّد رتابة القصص العادية.
تفكر بمعنى أن يجيئ إليها سهلاً بلا مشقّة. ولا تعجبها السبل المفتوحة والمتوقعة. تعرف ذلك حين تهزّها رسائله العابرة، التي تكون غالباً بلا معنى واضح. رسائل اشتياق خجولة، لا هي قابلة لتقال مباشرة ولا لأن تظلّ عالقة مثلما يفعل الهواء في نهاية اليوم، حين يمتلئ في الجسد بينما هو في سبيله إلى السير في سحابة أول الليل.

تفكر كيف يمرّ الوقت بلا فرص لاعترافات خبيئة. وبلا اتصال مفاجئ ينبهها إلى صوت قلبها المؤرّق بالانتظار. لكنها الحيل نفسها التي تصنعها دائماً، بأن تبني نصاً جديداً كعكازة تصلح حتى تزدحم أفكاراً أخرى في رأسها، تبتدع من خلالها احتمالات لخلاصات شافية، تركن إليها كلما ضاقت عليها مساحات انتظاره.
تفكر أيضاً كم من الجمل السارحة في هذا العالم الواسع تنتظر فرصتها لتساق بوداعة إلى قلبها. هي تؤمن بأن لها حصة كافية من الجمال، وبأن الصدف لا بد مدبرة من مكان ما، تبدأ من كفّي أمها الطريتين ولا تنتهي بعد ذلك. لأن لدعائها ارتباط خفي بالأبد. ذاك الذي يأتي منه الخير كله. والحب كل الخير.. حين قال لها مرة بأنها استثنائية، شيء ما تغير في ملامحها، كأن يصنع في كلماته تربة خصبة تزهر فيها حدائقها.

كانت استثنائية في عينيه، حين استطاعت أن تمسك في حديث لا يزال فيه أجوبة ممتعة في مقابل أسئلة لا تقال. هكذا تعبر بها قصة تتكئ فيها على خيالها الخصب، الذي ما برح يمدها بمشهديات لعالم تتوق أن تعيش فيه. عالم سطحه ماء وافر تسرح في خفته ولا تعود وتركن إلى الثقل الجاثم في قلبها ليؤول لها الحكايات. تؤمن بحبّ محشور في الرسائل العابرة، مثلما تصنع ألفة الأحلام في الوسادات. حب معتق يعتصر في قلبها كدمع العنب.