نانسي محسن

صحافية من لبنان

عيد الحب ... أصوله دموية؟

أوضح البابا أن الاحتفالية لم تساعد في شيء، وأنها كانت في الواقع مجرد طقوس وثنية لتأمين الخصوبة. ووفقاً لبعض المؤرخين، قرر حينئذ إعادة قصة القديس فالنتاين، وبدء احتفال لتكريم الحب والزواج، كي ينسى الناس احتفالات "لوبيركاليا".

عيد الحب ... أصوله دموية؟

كيف تحولت طقوس دموية إلى احتفال بالحب؟ عيد الحب اليوم، وربما تفكر في الهدية التي ستقدمها لنصفك الآخر، أو في الشخص الذي تود أن تمضي معه هذا الاحتفال الجميل. لا ندري السبب، ولكن بعض الأشخاص يأخذون هذا الاحتفال على محمل الجد بشكل كبير. نعني، بالنسبة للبعض هو أفضل عيد في السنة، حتى عندما لا يتشاركونه مع أحد. يزدحم كل مطعم ومقهى بشكل رهيب، لذلك لا يمكنك الذهاب إلى أي مكان. الأشخاص يدّعون بأنهم أكثر لطفاً، فقط لأنه يوم عيد الحب، إلا أنهم يعودون لطبيعتهم في كل الأوقات الأخرى من السنة.

إذا كنت غير مرتبط، يُظهِر لك المرتبطون حالة غرامهم الشديدة، كما لو كان عدم الارتباط شيئاً فظيعاً. ولكن الأغرب من ذلك هو كيف يحتفل الناس بهذا اليوم كما لو كان ذكرى جميلة ولطيفة، بينما هو في الواقع يأتي من شيء مريع. لذلك، إذا كنت شخصاً فضولياً، فعلى الأرجح تريد أن تعرف الشخص الذي ألهم للناس هذا الاحتفال، وهو القديس فالنتاين. وفقاً للقصة، أو للتوافق العام حولها، كان هناك طبيب وكاهن روماني اعتنق المسيحية عندما كان الدين مضطهداً. كان اسمه فالنتاين أوف تيرني، وبحسب بعض القصص، كان يزوج المسيحيين سراً. وعندما كُشف أمره، تعرض للسجن والتعذيب، ثم قُطع رأسه. بطبيعة الحال، أصبح شهيداً وشفيعاً للحب الحقيقي والزواج. كم هذا لطيف، أليس كذلك؟ نعني، إنها قصة مظلمة، ولكن لماذا تحولت سبباً ليحتفل الأشخاص بهذا الرجل الذي قُتل باسم الحب أو الدين؟ لكن مع ذلك، فإن الأصول التي نود الإشارة إليها هي في الواقع احتفالات "لوبيركاليا" الرومانية. استعِدوا لمعرفة الأكثير عنها ... فهي شيقة جداً.

قبل وقت طويل من ولادة فالنتاين، ومن بين العديد من احتفالات الرومان القديمة، كان هناك "لوبيركاليا"، الذي يقع في 15 شباط/فبراير، قبل شهر من "إيديس أوف مارتش"، وهو يوم اغتيال يوليوس قيصر. لكن في روما القديمة، كان يُعتبر بداية العام الجديد وتاريخ لدفع الديون القديمة.

أما عن "لوبيركاليا"، فبالنسبة للرومان، كان هذا وقت لتخويف الأرواح الشريرة وتنقية المدن منها. كان يمثل أيضاً الاحتفال الرمزي لتجديد النفوس صحياً وطلب الخصوبة من الآلهة. وفقاً للمؤرخين، بدأت الاحتفالات تقريباً في نفس وقت تأسيس روما، ولكن البعض الآخر يدّعي بأنها كانت في الواقع قبل ذلك، وأنها تراث مأخوذ من الاحتفالات اليونانية القديمة التي كرمت ليكاون وهو ملك أركاديا الذي أراد اختبار ما إذا كان زيوس حقاً "أب الآلهة" كما اعتبره الإغريقيون.

قرر ليكاون إقامة وليمة وإطعام زيوس لحم ابن ليكاون. ورداً على ذلك، أعاد زيوس الشاب إلى الحياة وحوّل ليكاون إلى ذئب. ويقال إنه خلال هذه الاحتفالات كانوا يضحون بشاب ويأكلون لحمه، ليتحولوا إلى ذئاب. أما عن علاقة ذلك الاحتفال ب"لوبيركاليا"، فمن المعتقد أن كليهما مرتبطان بصورة ورمز الذئب. حدثت "لوبيركاليا" في كهف لوبركال، المكان الذي اعتقد الرومان أن فيه أكل الذئاب مؤسسَا روما. أخذ الرومان هذا الاحتفال على محمل الجد لأنه بالإضافة إلى كونه وسيلة لتنقية الذات قبل نهاية العام، كان أيضاً احتفالاً بإنشاء الإمبراطورية الرومانية. لهذه الأسباب استمرت الاحتفالات لعدة قرون. حتى عندما سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية، واصلت الإمبراطورية الشرقية الاحتفال بــ "لوبيركاليا".

كان الاحتفال يتم على مرحلتين. في المرحلة الأولى يذهب الكهنة إلى كهف لوبيركال ويضحون بالماعز والكلاب. تم تلطيخ دم هذه الحيوانات على جبهتي شابان تم اختيارهما مسبقاً، ومعظمهم من الأرستقراطيين. تدّعي بعض الروايات أن الدم كان مختلطاً مع لحم الذئب، وهو ما يمثل الذئب الذي أكل التوأم التأسيسي، رمزاً للخصوبة. أقاموا الولائم من لحم الحيوانات المضحى بها وشربوا الخمر لرفع معنوياتهم. بعد ذلك، رقصوا عاريين حول جبل بالاتين المقدس. أما في المرحلة الثانية من "لوبيركاليا" وهي الأكثر غرابة، فقد كانوا يصنعون من لحم الحيوانات أدوات للضرب ويقومون بجَلد كل من عبر طريقهم. ومع ذلك، يقال إن النساء العاريات وقفن في صف ليُضربن على ظهورهن، وبالتالي يضمنَّ خصوبتهن.

بطبيعة الحال، تطورت الاحتفالات، ومع ظهور المسيحية، أصبح "لوبيركاليا" أكثر سرية، على الرغم من أنه كان لا يزال يُحتفل به على نطاق واسع. ويُعتقد أن الاحتفالات انتهت في أواخر القرن الخامس، عندما قرر البابا جيلاسيوس الإفراج عن مرسوم يشرح "الحقيقة" وراء "لوبيركاليا".

وفي ذلك الوقت، بالإضافة إلى احتفالات الخصوبة، استخدم الناس "لوبيركاليا" للمساعدة في الوقاية من الآفات والأوبئة الأخرى، ولكن في المرسوم، أوضح البابا أن الاحتفالية لم تساعد في شيء، وأنها كانت في الواقع مجرد طقوس وثنية لتأمين الخصوبة.

وفقاً لبعض المؤرخين، قرر حينئذ إعادة قصة القديس فالنتاين، وبدء احتفال لتكريم الحب والزواج، كي ينسى الناس احتفالات "لوبيركاليا". لذلك، إذا كنت تتساءل عن أصول عيد الحب، يمكنك أن تخبر الناس بأن عطلتهم المفضلة نشأت من طقوس دموية.