فاطمة فقيه 

صحافية وكاتبة من لبنان

الجيب المثقوب

من بعيد، يظهر في شوارع المدينة التي لا نهاية لها. يقف أمام جسر للمُشاة، فتغريه فكرة ولِدَت من بقايا عزيمته التي تكسّرت كالموج على صخور المحاولات.

الجيب المثقوب - فاطمة فقيه

كان يسير وشوارع المدينة تمتد أمام عينيه المُغرورقتين بلا نهاية، كلفافة قماش فردَها البائع فتدحرجت بعيداً. لن يحبس دموعه هذه المرة، لن يخاف أن يخدش رجولته، إبن الستة عشر عاماً سيبكي ويصمّ سمعه عن كل ما حوله، ضجّة الشارع، وهدير السيارات، وثرثرة المارّة الذين لا يلتفتوا إليه.

النسيم الذي هبّ في قيظ الليلة الصيفية لم يؤنسه. لا شيء يعوّضه عن شعوره بالضعف. هي لحظة، فجوة لن يملأ فراغها شيء، قد يتخطاها لاحقاً، لكنها لن تردم أبداً، ستظل تحفر عميقاً في ذاكرته، وجعاً لن ينطفأ.

مَن سيسمع الضجيج بداخله؟ فتى نبت خط لحيته، يقف عاجزاً. هذا العجز يجعله وحيداً، يحوّله إلى فراشة ظلّت لأيام ٍجامدة على حائط منزل.

من بعيد، يظهر في شوارع المدينة التي لا نهاية لها. يقف أمام جسر للمُشاة، فتغريه فكرة ولِدَت من بقايا عزيمته التي تكسّرت كالموج على صخور المحاولات.

يصعد الدرج، فكّر ثانية، ماذا لو...؟؟ ماذا لو فشلت هذه المحاولة أيضاً وصارت عبئاً إضافياً؟ الاستشفاء في هذه البلاد باهظ. أغلى من ثمن أعضائه. مَن سيتكفّل بالمصاريف وهو كبير إخوته لأمٍّ مريضة، وكذلك أب لا يعرفون عنه سوى وجهه المُتجهّم في صورة قديمة، وما ترويه والدته عن زوج اختفى منذ عشر سنوات مُخلّفاً ولدين وامرأة حاملاً. عشر سنوات كانت كمّاشة التقطت بطل قصتنا بين فكيها وراحت تقلّبه يُمنة ويُسرة. تلطمه. يبيع الأشياء البسيطة على الطريق، يحاول أن يكتسب مهنة. عمل نادلاً في مطعم. وحده يعلم معنى أن تقدّم الطعام لأطفال في مثل سنك يتلهّون بأجهزتهم الحديثة، وأن تسألهم إن أعجبهم الطعام، وإن كانوا يريدون أية خدمة، وفوق ذلك كله، عليه أن يبتسم، أن يتحمّل حنجرته التي تتحوّل إلى شوكة من جرّاء كتمان الدموع، ويبتسم.

لديه هوايات كهؤلاء الأطفال أيضاً. غادر مقاعد الدراسة باكراً. اختبر قسوة الحياة. نما جسده وصار طويلاً لكنه رغم ذلك لم يخشوشن. كان رقيقاً، وأحب الفنون، وبالذات الرسم. لم يحمل قلماً منذ آخر يوم له في المدرسة، لكنه كان يرسم في مخيّلته. يرسم فراشة تتراقص بين الشرانق. يلوّنها بألوانٍ كثيرة. الشرانق رمادية. رسم لوحات عديدة، لكنه في ذلك اليوم، بينما يصعد الدرج إلى جسر المُشاة، رسم لوحته المفضّلة مرة ثانية. الشرانق تتفتّح وتخرج منها كائِنات سوداء تُهاجم الفراشة وتلتهم جناحيها.

أعلى الجسر طال ليل المدينة كشوارعها. أعاد تفتيش جيوبه للمرة الخمسين، لكنه لم يكن مُخطئاً. لم يجد شيئاً. راتبه الزهيد.. ضاع! ضاع ألمه اليومي واع احتماله لتسرّب طموحه كالرمال من بين يديه، والأفواه التي تنتظره ستحرقه بصمتها وخيبتها. يتذكّر والده في هذه الأثناء. لم يكرهه يوماً. هو الذي اختبر الألم وجد له أعذاراً كثيرة، ومن على الجسر سأل نفسه: هل مشى أبي على هذا الجسر؟ هل كان آخر ما وطأته قدماه؟

الفقد، الخيبة والعجز، أشد المشاعر إيلاماً، إختبرها الرجل الصغير كلها، وهذا الجسر، لن يضع حداً لها.


 

التعليقات