هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"

من مشرقي إلى مغربي

هو مَن رأيت به وجه أترابي وآبائي الأوّلين. عند حروفه تنحني هِمَم وصدأه يحكي طول الفراق. هو من أرض عشقت رُسلاً مضوا قبلنا وهو لبيتٍ أجمع البشر على حبّه. هو لشعبٍ توارث الذوّد عن رايته، هو للفداء وللثورة، هو لكل مُستضعَف في الأرض.

  • من مشرقي إلى مغربي

لا بأس إن جفّ الحبر من فكرك يوماً وانقطعت تزرع حرفاً جديداً. فغداً تطلّ سنابل أقلامك تحمل في طيّاتها أحلامك. خذ لنفسك من نفسك عشقاً وروحاً وأضف عليها زين الكلام. اليوم عليك من النور الاستئذان وفي الغد هي لك كلّها آذان.

فالحاضر من حولك أمل وفي جوارك تمتلئ الأحزان، الشام يوشك أن يُخمِد النيران لكن اليمن يُذبَح بسم الله، والأقصى مسلوب بإرادة الفُرسان، والقداسة من القدس تُسلَب تحت أعين الأقداس، فانشطر الهلال وأُسقِطت الأجراس من عليائها، فالمشرق والمغرب ينزفان أجيالاً وبلاد النيل في وحولها تغرق، والخليج همّه كيف يطلع للقمر، كلّ هذا والغرب فينا يستعمر، فأي قلب هذا يرى ولا يخشع وأي عين تلك لا تدمع؟

تلك بالأمس، أمّا اليوم فما خِلت أن يعصر فؤادي أشجان وتورِد أوردة عبق وأنين والحزن كوى الجسد وأرهق البال إذا ما رأيت مفتاحاً صلباً تصدّأ ولم يمت. عتباً تُعاتبني جوارحي أن قمْ واذرف الدم بسالة عن هذا الباب وأيّ باب؟ باب لم يبق منه إلا مفتاح خطّ وشماً في القلب ونوراً للأبصار.

هو مَن رأيت به وجه أترابي وآبائي الأوّلين. عند حروفه تنحني هِمَم وصدأه يحكي طول الفراق. هو من أرض عشقت رُسلاً مضوا قبلنا وهو لبيتٍ أجمع البشر على حبّه. هو لشعبٍ توارث الذوّد عن رايته، هو للفداء وللثورة، هو لكل مُستضعَف في الأرض.

ما من حرّ في العالم إلا وأدمع قلبه هذا المفتاح. رمز لقضية لن تموت مهما طال بنا الزمان فهو وعد الله الذي لم يخلف وعده، وإذا فارق بيننا وبين العودة الحق فلا بأس لأجيالنا بحب حق القدس علينا. القدس، الحضارة، التاريخ، الإيمان، الإنسان وما مضى من رسول وعالِم وعابِد إلا عند أسوارها انتجب. هذه حبيبتي، وجهها في قلبي وفكري وأيقونتها تتوسّط داري.

هي مني شرقي مشرقي وهناك تنبعث إشراقتي وأملي بنصرٍ وضُحى جديد. ألا طابت الأرواح التي افتدت قدس الأقداس، ألا عاشت حناجر قلوب تنبض عشقاً وحباً لها، ألا أن حبّك عهد ما بقي في الكون ليل ونهار.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً