نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

نينا طاهر تكشف "وجوه" المرأة

المرأة بنظر نينا طاهر "ما تزال تُبرهن أنها اليد التي تهزّ العالم".

المرأةُ أهمّ ما في الوجود، فهي الأمّ والزوجة والحبيبة والصديقة والأخت والعامِلة. لذلك جعلت نينا طاهر المرأة العنصر الوحيد في معرضها "امرأة" الذي أقامته في غاليري "أس في" في "الصيفي فيلدج" وسط بيروت.

لا تتردّد طاهر في التأكيدِ على خيارِها الذي لم يكن مُصادَفةً، أو هفوةً عابِرة، مُقتصراً على المرأة، وتقول ردّاً على سؤال للصفحة الثقافية في الميادين نت "لقد قصدت أن تكون المرأة العنصر الوحيد، وقصدت أن أُضيء فقط على المرأة في معرضي. كان باستطاعتي التطرّق لمواضيع كثيرة، لكني آثرت أن أحصر معرضي بموضوع المرأة".  

رغم أن المرأة هُمّشت في التاريخ، وحتى عصرنا الراهن، لكنها بنظر نينا طاهر "ما تزال تُبرهن أنها اليد التي تهزّ العالم".

ليس غريباً اعتماد المرأة موضوعاً وحيداً لمعرض. لكن أن تغيب عنه بقيّة العناصر اللامُتناهية في العالم، ذات الصلة بالمرأة، خصوصاً منها علاقتها بنصفها الآخر، الرجل، ففي ذلك شيء من الغرابة والتساؤل. لذلك يمكن وصف معرض الفنانة نينا طاهر بوحيد الجانب، وثنائي الأبعاد. لكنها تؤثر أن تنفي ذلك إذ تشرح أن "المعرض ليس مُضادّاً للذكورِ بل هما يكمّلان بعضهما بعضاً، ولخلق مجتمعٍ متوازٍ، لا بدّ من التضامن بين الذكر والأنثى".

المعرض المُقتصِر على المرأة بوضعيّاتٍ مختلفةٍ، غالباً بطابعٍ من الحزن، والشكوى الكامِنة، وعدم الرضى، والاعتراض، فالتمرّد، والرفض، يبعثان على الشعور بجو "حريمي". فعدا عن أن كل عناصره أنثوية، لكن مضمون التعبيرات المُنبعثة من الوجوه، تشي برفضٍ للآخر، أي المجتمع الذي أسَرَها، وحدَّدَ مجالات حياتها، في الوقت الذي أعطى فيه الآخر، الرجل، مجالاً أوسع من الحرية ومن الحق بالتصرّف.

"هي ليست نظرة سلبية"، تقول طاهر، "بل عِتاب على عدم تقديرها (المرأة) التام في بعض المجتمعات. لكن هناك نظرة الأمل والتحدّي والغرور .. والقوّة"، مُضيفة "في كثير من المجتمعات العربية وغيرها ما زالت تُقمَع المرأة، وعليها كَسْر هذا القالب الذي "حدّوها" (حصروها) فيه لأن المرأة أثبتت أن لديها الكثير لتقديمه".

غالبيّة اللوحات تتضمّن وجوهاً نسائية بطريقةٍ تعبيريةٍ، تستخدم فيها طاهر بعضاً من الظلال لتضفي على اللوحة طابعاً معيناً، رغم أن العناوين المُعطاة لبعض اللوحات تشي بمقصودٍ آخر، فلوحة "الأفق" مثلاً توحي بالرَيبة، وهي شعور نسَوي ناجِم عن الموقف الضعيف الذي يضع المجتمع المرأة فيه. فاللوحة نصف وجه، يغطّي ستار شفاف مع عروقٍ زينةٍ نباتية، النصف الآخر، وتظهر عين واحدة كأنها تسترقّ النظر. 

تؤكّد على وجهة المعرض لوحات أخرى، مثل "Deep Inside"، حيث وجه امرأة مُغمّض العينين، مُتألّم، واليدان تلفان الوجه بالطريقة التي تعبّر عن حزنٍ، أو أسى، أو تألّمٍ لسببٍ ما. تعود المرأة في هذه اللوحة إلى الدفين في أعماقها، وتنجح طاهر في تقديمها مُتألّمة ... إنه واقع حيّ سائِد في مجتمعاتنا.

أما في لوحة "Advice" (النصيحة)، ما يوحي بالترويض، وممارسة القمْع بهدف تأطير المرأة في البوتقة التي لا يتيح المجتمع لها أكثر من ذلك. لوحة تتوازى في معانيها مع المرأة كقضيةٍ اجتماعيةٍ حملتها طاهر، وحاولت التعبير بها بطُرُق شتّى.

في حين أن لوحة "Behind the Veil" (خلف الحجاب)، تؤكّد فيها طاهر على المسار العام للمعرض في التعبير عن وضع المرأة المقموع.  وتأتي لوحة "Beauty" لتؤكّد أن الأحزان الكبيرة التي تواجه المرأة جرّاء المفاهيم الاجتماعية السائدة، تغطي الجمال، مهما كان كبيراً. لوحة "Beauty" هي الحزن، مهما كانت المرأة جميلة الشكل، فجمالها متعة للآخر، لإرضائه، لتقبّله لها، وليس متعة لها، وجمالها، مهما كَبُر، لا يعوّضها حزنها الداخلي انعكاساً لنظرة المجتمع لها، وممارساته تجاهها، تعبيراً عن خشيته من أنوثتها.

تدخل لوحة "Speech of the Eyes" ضمن السياق عينه في هذه المجموعة من اللوحات في المعرض التي اختلط عرضها على جدران الصالة، ولم تُفرَز بحسب موضوعاتها. واللوحة وجه، تكمّ فاهه يدان خشنتان، هما يدا الرجل، ما يؤكّد نزعة المعرض النسوية، بينما الذي يكمّ فاه المرأة، كما الرجل، السلطة السياسية، وما تستدرجه من سلطاتٍ أخرى تستخدم الأيديولوجيا وسيلة متمّمة للقَمْع السلطوي، سياسياً أمْ أمنياً أمْ ثقافياً. رغم ذلك، تؤكّد طاهر: "لا ليس مُضادّاً للرجل".

يتضمّن المعرض مجموعة لوحات تنمّ عن رفض المرأة لواقعها ومحاولتها النزوع والتحرّر من قيودها، بطريقةٍ تعبيريةٍ حيناً، ورمزيةٍ حيناً آخر. من هذه اللوحات: "Breaking Out" (النزوع)، و"Breaking the Mould" (كسر السائد) التي تظهر فيها المرأة خارجة من ثوبها القديم الطراز، والبالي، بثوب أجْدَد زيّاً، وبحركةِ انعتاقٍ نحو المستقبل. ومثلها لوحة "Reaching the Stars" (الوصول إلى النجوم)، توقٌ للانطلاق، والانعتاق، والتحرّر.

بعض اللوحات تعود بنا إلى الجمال وتجليّات استخدامه بطريقةٍ تتعارض مع روحيّةِ تحرّرِ المرأة، أي بنوعٍ من روحيّة الاستغلال الجسدي الممّوه. نجد ذلك في بعض لوحات، حيث تبدو المرأة جسداً جميلاً، راقِصاً مع فتلةِ إغراءٍ كما في لوحة "Peacock" (الطاووس).

ترى مَن هي المرأة التي تدافع طاهر عنها وهي كالطاووس؟

ربما لا يظهر المقصود في الشكل. كذلك، في "Butterfly Dreams" (أحلام فراشة)، و"Portraits of color"، تقدّم طاهر المرأة بتزيٍ يغلب الجمال، والتزيين، فيطغى طابع التجميل الشكلي، على مضمون الانتماء الإنساني للمرأة. 

وتتكرّر تجربة مماثلة في لوحة "Pure Bliss" (مُنتهى السعادة)، حيث تتمظهر المرأة المُتزيّنة بأحمرِ الشفاهِ، وكُحلِ العيون، في بوتقةٍ من الفرو الناعِم، والشعر المُتطاير، يغلب عليها طابع الإغراء التجميلي.

ليست المرأة مخلوقاً وحيد المعنى والوجهة والتجلّي، فهي متنوّعة المعاني. ربما تكون طاهر على حق في التعبيرات المختلفة للمرأة بما فرضه التاريخ منذ انتهاء عصر الأمومة.

من دون سابق إنذار، وربما إرادة، تحاول طاهر الخروج من احتمالات الإشكالات التي قد يحملها المعرض، فتلخّص رأيها بالمرأة، وانحيازها المُطلَق إليها بلوحةٍ فيها وجه صبية تمسك الكرة (الأرضية) بين أناملها، أطلقت عليها عنوان: "The Hand that Rocks the Cradle" (اليد التي تهزّ السرير) موحية بتتمتها، وتقول: "قضية المرأة هي من صلب المجتمع، هي التي تهزّ العالم بيسارها"، خالصة إلى أن "قضيه المرأة جدال منذ الأزل، إنما اليوم قد أثبتت إنها فعّالة في المجتمع، ورغم ذلك يستفزّني ألا تُعطى حقّها في ممارسة دورها بحريةٍ في عدّة مجتمعاتٍ عربيةٍ، وهي مَن تصنع الأجيال وتبني نحو مستقبل أفضل".

نينا طاهر فنانة لبنانية ولِدت في نيجيريا. وجدت لنفسها متعة الاهتمام الفني منذ أن كانت في التاسعة من عمرها. تقول إنها اعتمدت على نفسها في تعلّم الفن، وممارسته، وهي التحقت بعدّة ورَش عمل، وحلقات دراسة فنية، خاتمة بالقول: "في مفهومي، الرسم هو موسيقى صامتة تتصل بالروح، وتحرّر مخيّلة الإنسان".   

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]