هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"

رائحة الطين

بلاد فيها الشمعة تُضاء للرومنسية، لأعياد واحتفاليات.

استيقظَ من نومه على صوتِ الرعدِ ونظرَ من حوله، لا شيء سوى أوراق الرواية مُبعثرة على الأرض. تفكّر قليلاً وعاد وجال بناظريه يتفّقد هذه الغرفة الصغيرة ، أخذ أوراقه وأعاد ترتيبها. إنها السادسة صباحاً في الريف الإنكليزي، خرجَ باكراً على غير عادته يُحاكي نفسه ليتها حقيقة وما أجملها. عند محطّة النقل البري، كل ما حوله يبعث على العَجَب، أسدلَ الستار على خياله واستقلّ الحافلة لكنها لم تكن بانتظاره كما في كل صباح. إنه يوم غير عادي، تجري الأرصفة مُسرعة للخلف، عبثاً يبحث بنظراته يُمنة ويُسرة علّها تأتي لكنه أبكر اليوم وتنطلق الحافلة.

عند مشارف العاصمة لندن بكى ذكرياته وعاد إلى الحلم. عاد إلى حفنة التراب المُبلَّلة بعَرَق والده وتردّدت كلماته في ذهنه وسأل نفسه: "أين أنا اليوم من تلك الليالي؟ وأين حلو مرارة القرية؟". سؤال غاب عن باله عقوداً من الزمن. فقد اختطفته ليالي أوروبا كما اختطف زيوس أوروبا من ملك صور. هي أوروبا مطليّة بشعر مذهّب وعيون سماوية تجذب من ربيع العُمر فتغفل عن الجذور ويفاجئ الخريف من العُمر يخطف من وديعة الأمس على تلك الشواطئ المشرقية.

ارتجلَ وتابع إلى مركز عمله، لكنه اليوم يبصر ما يرى أمامه ويعي ما يشاهد، وكأن قدميه ما وطأت أرض الخضر هذه وكأن نصف عُمره مرّ على هذه الدرب غاشياً ماشياً. ما باله اليوم يعيش الماضي ويحنّ الى رائحة الطين المُنبِعثة مع أولى القطرات في سهول الأجداد، ما لهذه الرواية تقلب فؤاده رأساً على عقب، ولكنها حقّ فهو كالشمس إلى الشرق انتسابه!

في طريق العودة كانت في انتظاره، فما أن صعد إلى الحافلة حتى بادرته بالاستفسار عن رحلة الصباح. عن أيّ صباح يُجيبها؟ فهو اليوم في دنيا ودّع قلبه فيها وأودعه بين أغصانها منذ ثلاثة عقود. يتنهّد ويفكّر وهو يُحدّق إلى سماء جذوره في عينيها الزرقاوين ، ويسترسل في خاطره ويقول في سرّه كيف يعصف ما في وجدانه في هذا الوجه الملائكي ، وكيف لها أن تفهم روايته وحلمه في هذه البلاد التي ليس فيها بيت أرضه من تراب؟ ولا سقفه من تراب؟

بلاد فيها الشمعة تُضاء للرومنسية، لأعياد واحتفاليات ولكن أبداً لا تكون لمثل ما هي عليه في قريته، شمعة تُضاء خيراً لئلا يلعن الظلام.

أجابها وسط ضوضاء أفكاره وخوفاً من هُجرانها له وهو الذي اعتاد أن يراها مع كل شروق وكل مغيب.

"أخذني نوم عميق يا عزيزتي".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]