فاطمة فقيه 

صحافية وكاتبة من لبنان

الفضاء الإلكتروني ... مجال مفتوح للكراهية؟

يُعدّ التنمّر القائم على المظهر أحد أكثر جوانب إساءة الاستخدام شيوعاً وهو يخلق ثقافة سطحية.

  • الفضاء الإلكتروني ... مجال مفتوح للكراهية؟

كان لي قريبٌ يتعرّض للسخرية والضرب من قِبَل أقرانه في الصف، لمُجرّد أنه أصغر منهم سناً وحجماً، كانوا يستقوون عليه ويشعرهم هذا الفرق بينه وبينهم بالتفوّق، لاحقاً عرفت أن هذا الفعل يُطلَق عليه مُصطلح التنمّر.

بالرغم من أن التنمّر يظهر بشكلٍ أكبر في المدارس، إلا أنه لا يُحصَر بها. في عصر الفضاء الإلكتروني المفتوح، صارت مواقع التواصل الاجتماعي منبراً لبثّ الكراهية، المُستهدَف هنا هو أيّ شخص يمتلك حساباً إلكترونياً والمُستهدفون أيضاً لا حَصْر لهم. يكفي أن تتصفّح التعليقات تحت أيّ مقطع أو صورة في الصفحات لترى حجم المحتوى السيّىء. كمية التنمّر ستُدهشك وأكثر، أن معظمنا قد يقوم بهذا الفعل، خصوصاً إذا امتلك حساباً وهمياً، هذه ميزة إضافية يمنحك إياها الموقع، فإذا كان البثّ غير المباشر للرسائل من خلف الشاشة يحفّز على المواجهة، فإن أخفاء الهوية حافز أكبر.

الشخصيات العامة هي الأكثر عُرضة للتنمّر، يشرّعون الأبواب الافتراضية على حياتهم الخاصة، ويقحمون الجماهير فيها، ليظنّ الأخيرون أنهم يمتلكون الحق بقول ما يريدون، فتحوّلت مواقع التواصل الاجتماعى إلى ما يُشبه المحكمة التي يصدر فيها الروّاد الأحكام على الشخصيات العامة مُعلّقين على أزيائهم، وتصرّفاتهم، وحتى ملامح وجوهم بطريقةٍ فجّة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر،  شهدت الساحة الفنية في مصر مؤخراً حملة ضدّ التنمّر بعد قيام روّاد مواقع التواصل الاجتماعي بالتهكّم على مظهر الفنانين خلال مهرجان الجونة، وبالأخصّ الممثّلة دينا الشربيني التي نعتوها بصفاتٍ بشعةٍ ساخرين من مظهرها، وكأنه عِقاب جماعي لضحيةٍ لم ترتكب أيّ إثم.

إلكترونياً، يشمل التنمّر الإغاظة والسخرية والاستفزاز والتعليقات غير اللائِقة والتهديد، وأيضاً الإحراج الدائم للشخص ونشر الشائعات حوله. أسباب تحوّل الشخص إلى متنمّر عديدة، منها اضطراب الشخصية ونقص تقدير الذات،الغيرة، والتنفيس عن الضغط النفسي،  لكن بالنسبة لمواقع التواصل على الإنترنت الوضع مختلف، فالعقلية الجمعيّة تتحكّم بالأشخاص هنا وقد تدفعهم للقيام بفعلٍ ما تحت تأثير التقليد، كما تلعب الأحكام المُسبقة دوراً كبيراً، ناهيك عن أن التنمّر صار أسلوباً لإظهار الفُكاهة وينتشر بشكلٍ كبيرٍ في برامج الضحك التلفزيونية، التي تكرّس لمفهوم النكتة عن طريق السخرية من الآخر.

السيناريو الأسوأ لنتائج التنمّر هو الإنتحار، حيث أثبتت الدراسات أن ضحايا الإنتحار بسبب التنمّر في ازدياد مستمر وخاصة بعد دخول التنمّر الإلكتروني إلى الصورة، من هؤلاء الضحايا نذكر الطالبة الأميركية براندي فيلا (18 عاماً)، التي قرّرت وضع حد لحياتها من أجل التخلّص من مُضايقات كانت تتعرّض لها باستمرار في العالم الافتراضي بسبب وزنها.

وقد وجدت دراسة لمؤسّسة "Ditch the Label"، وهي مؤسّسة خيريّة للمساواة ومُكافحة التنمّر، مقرّها المملكة المتحدة، أن ما يصل إلى 7 من كل 10 شباب قد تعرّضوا للإساءة عبر الإنترنت في مرحلةٍ ما، وأن هناك ما يقرب من 5 ملايين حال من حالات كراهية النساء على تويتر وحده، إثنان وخمسون بالمئة منها كتبت بواسطة نساء، وغالباً ما استهدفت المظهر والذكاء والتفضيلات الجنسية للنساء الأخريات.  في هذا العالم لستَ بمأمن قد تتعرّض للأذى بينما تجلس في منزلك إلى جانب أهلك، طالما أنك تمتلك هوية رقمية فأنت عُرضة للإهانة والتشهير، من دون أن تتمكّن الشركات المُشغّلة من خلق مساحات آمنة حقيقية حتى الآن.

هذا الأمر يُعتَبر مُجهداً بشكلٍ كبيرٍ، خاصة  للشبان الذين لا يزالون في طور تكوين هويّتهم ونظرتهم لذاتهم، وهم يستعينون أساساً بوسائل التواصل الاجتماعي لهذا الغرض. فالكثير من المشاركات والصوَر، يكون الهدف منها استقطاب التقييم الخارجي، لهذا يُحبَط البعض من عدم تلقيّهم الكثير من الإعجابات.

ويُعدّ التنمّر القائم على المظهر أحد أكثر جوانب إساءة الاستخدام شيوعاً على الإنترنت، وهو يخلق بحسب الدراسات ثقافة سطحية من القِيَم القائمة على المظهر، ويدفع بالأشخاص للاتّجاه نحو إجراء العمليات التجميلية، عِلماً أن العمليات التجميلية تُعتَبر ورقة إضافية لدى المُتنمّرين.

هذه البيئة العدائية، تقودنا إلى مكانٍ مظلمٍ جداً يرتدّ سلباً على منظومتنا الأخلاقية، فالكراهية المُعلنة من خلف الشاشة تترجم شيئاً فشيئاً على أرض الواقع، طالما أن المحظور صار مُباحاً من خلال هذه الوسائل، لن تستمر ازدواجية الشخصية طويلاً. والحلّ يبدأ من الواقع عبر تعزيز القِيَم في مجتمعنا لينعكس إيجاباً على الخطاب المنشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً