أحمد فاضل

كاتب من سوريا

من نحن؟

الأمرُ برمتّهِ موقفُ من الهويّةِ والذاتِ والسؤال.

  • من نحن؟

(شرعيّةُ السؤالِ وطغيانُ الأجوبة)

يبدو السؤالُ آمناً تقليديّاً مالم يُشحَنْ بالحيرةِ، لا من طبيعةِ السؤالِ ذاتِهِ بل من كثافةِ الهوامشِ التي توحِي بالإجابةِ تلقائيّاً.

وحينَ تقومُ هذه الحيرةُ مقامَهَا وراءَ البحثِ عن هذه الهوامش ، يفتقدُ السائلُ أمانَهُ الموروثَ أو المكتسبَ، ليجدَ نفسَهُ أمامَ تراكمٍ طويلٍ من العجزِ عن التماسِ هويّةٍ واضحةٍ على مستوى الأفرادِ والمجتمعاتْ.

ولعلّ أخطرَ ما في محاولةِ الإجابةِ يكمنُ في استحضارِ الآخرِ، أيّاً كانَ هذا الآخرُ، لبناءِ الإجابةِ عليهِ على أساسِ أنّ الهويّة تُعرَفُ بالفرقِ والاختلافِ .

هذه التجربةُ أطاحَت بوعينا إلى الحدّ الذي أصبحَ فيه أيُّ آخرٍ هويةً منجزةً أمامَنَا بعدَمَا سلبْنَا أنفسَنَا قدرةَ التعرّفِ أو التعريف.

نحنُ نسخٌ عمّا تراكمَ في الهوامشِ التي تولَدُ فيها الإجابات .. نسخٌ منقوصةٌ في أحسنِ الأحوال، نسخٌ مكررةٌ عن أصولٍ تجاوزَ أغلبُ أصحابِهَا الصورَ التي استنسخنا هويّتنا عنها.

وليسَ الآخرُ المُستنسَخُ عنهُ، هو الآخرَ الغريبَ الحاضرَ، بل في جُلِّ الحالات، هو آخَرُنَا الماضي الذي استُنسِخَ أو نُسِخَ من غريبٍ كانَ أمَامَهُ، هكذا تدورُ علينا دوائرُ الفصامِ حتّى يَستغلِقَ أفقُ الهويّة أو يَكاد.

وهكذا نستسلمُ لطغيانِ الإجاباتِ السهلةِ التي لا تُكلّفُ من التأمّلِ أكثرَ من بداهةٍ هشّةٍ ولا تُبقي في النفوسِ أكثرَ من يقينٍ هزيل.

 

(في سبيلِ موقفٍ مغاير)

في خضمّ هذا التعقيدِ البالغ، قد ينفعُ النفيُ كأداةٍ للتعاملِ مع الإجاباتِ الجزئيّة، والبديهةِ المنهكَة.

النفيُ موقفٌ سلبيٌ من تقبّلِ عناصرَ فرعيّةٍ تبدو وكأنّهَا قد أصبحت أصولاً، ورفضٌ حميدٌ لمقوماتٍ لا تنفعُ في استبصارِ المعنى الحقيقيّ للهويةِ رغمَ وضوحِهَا الخادع .

هذا النفيُ كفيلٌ بخلقِ حالةٍ استرجاعيّةٍ لموقفِ السؤالِ ذاتِه، فطالما أنّ تواردَ الإجاباتِ أصبحَ في مضمارِ النفي، فهذا سيوجدُ مساراً ليسَ القصدُ منه العودةَ إلى الماضي فالهويّاتُ لا تخضعُ للتراكمِ الزمانيّ كما يبدو، فيما تخضعُ نسَخُهَا لهذا التراكم .

ولهذا فإنّ المسارَ الذي يخلقُهُ النفيُ كفيلٌ متى بدت جادّتُهُ وغايتُهُ أن يعودَ بالسؤالِ إلى أقربِ نقطةٍ انبثقت فيها هويّتُنا، تلكَ النقطةُ التي تبدو في عالمِ اليومِ بعيدةً، إن لم يقل الكثيرونَ إنّها مستحيلة، فيما هي تكمنُ في أقربِ تفاصيلِ وجودِنا.. في اللغةِ التي تقرأ فيها هذا الخطاب.

النفيُ المشارُ إليه هنا ولئن طالَ كلّ شيء - وهو لن يفعل - فإنّه لن يطالَ اللغةَ التي تحمِلُه في رحمها،  لأنّها المجالُ الوجوديّ الوحيدُ المتاحُ لهذا النفي، وهي المجالُ الذي أُلقيَ فيه كلّ "الإيجابِ" الذي حجبَ الهويّةّ أيضاً .. ولهذا فإنّ النفيّ الذي نتحدثُ عنه لن يطالَ لغتَنَا لعجزِهِ عن الوجودِ خارَجَها، ولكنّه سيطالُ ما تراكمَ في هذه اللغةِ من أوهامٍ لم يحقق "وجوبُهَا" في حياتنا كــ"عرب" سوى غيابِ هذه الأمّة عن الفعل الحضاريّ.

ولئن وصفنا النفيَ بأنّهُ موقفٌ سلبيٌّ، فإنّ هذه السلبيةَ لا تعني الاستسلامَ لمقتضى حالِ النفي بطريقةٍ عمياءَ قد تصلُ حدّ نفيِ الوجودِ واللغة وإمكانِ الفعل، بل تعني الاستمرارَ بما يجب التمسّكُ به من قيمٍ وجوديّة عُليا، ريثما يطهّر هذا النفي هوامشَ هذه القيم، فتظهر في صورتها الأصيلةِ، لجيلٍ يسألُ عن معناه في العالم.

 

(البدءُ من جديدٍ ... ليسَ جديداً)

الاقترابُ من المبدأ المنفيِّ ما حولَهُ ومَا عليهِ من أوهامِ الهويّة، أمرٌ من شأنِهِ أن يخلقَ إجاباتٍ جديدةً عن سؤالِ الهويّة الصعب، بعيداً عن النوازعِ القهريّة والتكهناتِ الاعتباطيّة، إجابات تقدمُ مرتكزاتٍ جديدةً للوعيِ في طريقهِ إلى تأصيلِ نفسِهِ حيثُ بدأ تشكّلُه.

هذه المرتكزاتُ الجديدةُ ليست جديدةُ بقدرِ ماهيَ أصيلة، غيرَ أن جِدّتَهَا تكمنُ في استعادةِ حضورِهَا تدريجياً، من خلالِ الوقوفِ عليها في الطريقِ إلى الأصلِ الغائب أو المغيّب.

ليست المهمةُ هنا أمراً يُقاسُ وفقَ معاييرِ الزمنِ والوقت، فما نَصِفُهُ بالجديدِ والقديمِ يُفهَمُ في إطارِ الأصيلِ والزائفِ، الجوهريِّ والعرضيّ، وفي هذا المستوى من المعاني لا يفعلُ الزمنُ فعلَهُ المتعارفَ عليه من خلالِ التسلسل، إذ أنّنا قطعنا في اتجاهِ التخلّفِ خلالَ سنواتٍ ما قطعتهُ أمم ٌخلالَ قرون ، وعليه فإنّنا يمكنُ أن نستعيدَ من حضارتنا وحضورنا خلالَ سنواتٍ ما استعادته الأممُ خلال قرون.

الأمرُ برمتّهِ موقفُ من الهويّةِ والذاتِ والسؤال، واختبارٌ للوعيِ في ميزانِ الشكّ واليقينِ ومقياسِ الحقيقةِ والزيف، وهو اختبارٌ مالم نُخضِع لهُ أنفسَنَا فإنّنا سنبقى في حيّزِ المُختَبَرِ بِهِم، المُرَادِ لهُم، المُتَحَكَّمِ في مصيرِهِم.. إلى أجلٍ غيرِ مَعلوم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً