ماري الظواهرة

كاتبة سورية مقيمة في أستراليا

الباب

فيما كانت تصغي إلى وقع خطواته، ملأها إحساسٌ عارمٌ أن حياتها قد بدأت من جديد.

ما إن تسللت الشمس من نافذة مطبخها العتيق، حتى تركت ما بيديها، ورمت بجسمها الناحِل على كرسيّها الخشبيّ القديم، علّها تحظى ببعض الدفء، الذي غادر حياتها، منذ زمن طويل، وفقدت الأمل بالحصول عليه إلا بهذه الطريقة. لقد غزا الشيب شعرها، وبدأت التجاعيد تروي حكاية عُمرها المعذَّب ورحلة حياتها الشاقّة.

تراءت أمام عينيها ذكريات طفولتها، فبعثت فيها أحاسيس مختلطة من المتعة والحسرة والحنين، وعَلَتْ شفتيها ابتسامة، إذْ تذكّرت كيف كانت أمّها تُجلسِها في حضنها لتسرّحَ لها شعرها، وهي تتحرّك بين يديها، كدميةٍ من الزئبق، معربة عن الألم والدّلع بالصُراخ، حيناً، والضحكِ، أحياناً، وكيفَ كانت تفرّ من حضنها، لتلحقَ بسرب إخوتها وأصدقائها في الحارة.

أيقظها صوتُ فَوَران القهوة من شرودها، فأطلقتْ تنهيدة طويلة، وجرّتْ نفسها جرّاً، فمسحتْ، بلا عناية، الموقدَ، وصبّتْ فنجاناً، وقبل أن تعود إلى جلستها، نظرتْ في مرآتها الصغيرة المُثبّتة على الحائط، لم تصدّق مرآتها، ككلّ صباح، رغم رؤيتها كيف اشتعلَ رأسها شيْباً.

تحت أشعة الشمس، ومع دبيب الدفء في جسدها، تذكّرت خصلات شعرها الأشقر وهي تتطايرُ بفعل الهواء وغزل الصبيان الأشقياء في الحارة، فَسَرَتْ في أعضائها لذّة، لم تشعر بها منذ زمنٍ طويل.

لطالما رفضت الاعتراف بأنها كبرت إلى هذا الحدّ، وأن الزمنَ طحنها إلى هذا الحدّ، فقد كانت تجاهد الزمنَ وظروفَ حياتها القاهرة للإبقاء على شعورها بطفولتها وأنوثتها حيّاً فيها.

صعدت رائحة القهوة إلى رأسها، حاملة معها دفقاً مُتقطّعاً من ذكريات شبابها. "يا الله! كيف مرَّ كلّ ذلك، من دون أن أنتبه؟" قالت لنفسها، ومرّرتْ أصبع كفّها اليسرى على خديها، لتتأكّد ما إذا كانت غمّازتاها مازالتا هنا. ابتسمت، ثانية، إذْ خطر في فكرها كيف انتهت مغامرتها العاطفية الأولى بالزواج، وكيف كانت تلعبُ مع أطفالها ألعابهم نفسها، وتبكي معهم بكاءهم نفسه، كأنها لم تغادر طفولةً، ولم تركب عربة الزمن.

قطع الضجيجُ، الذي بدأ يتصاعد من حركة الأقدامِ والسيارات العابرة في الشارع تدفّقَ ذكرياتها، مُشتّتاً مشاهدَ الأوقات الصعبة من حياتها الحافلة بالألم والتعب والصبر والفراق.

"حان الوقتُ" حدّثت نفسها، ونهضت، بحيوية، تدندنُ لفيروز: "يسعد صباحك يا حلو"، مُتحدّية وحدتها وحسرتها وشيخوختها.

فتحت باب الحديقة، ففي مثل هذا الوقت من كل صباح، تسقي أزهار حديقتها، وتتلقّى، عزاءً لوحدتها، تحية الصباح من جارها الجديد، وتستمع إليه يثرثر لها، من حديقته المجاورة، عن أصول الزراعة وتربية الأبناء وأشياء أخرى لم تكن تعنيها، وتعلمُ في قرارة نفسها أنه يلفّقها، لكنها كانت تسعدُ بسماعها.

أكثرُ ما كان يبعث الفرحَ في نفسها طريقته في إلقاء تحية الصباح عليها، فقد كانت تستعيد بها مشاعرَ، اعتقدت أنها دفنت مع وفاة زوجها واكتمال طوق وحدتها بشعورها المُفاجئ بالزمن.

لم يكن جارُها، كعادته، في حديقته، ذلك الصباح. انتظرت، وانتظرت، لكنّه لم يخرج. تسمّرت عيناها على بابه، وشعرت، فجأة بحزنٍ عميق. لقد فهمت، الآنَ، لماذا كان يعتريها شعورٌ بالخجل والارتباك كلما ألقى عليها تحيته الحارّة تلك، ولماذا كانت يداها لا تكفّان عن ترتيب شعرها، كمراهقة مُرتبكة، وهي تستمع إلى ثرثراته غير المترابطة.

لم تسقِ زهورها، ذلك الصباح، فقد شعرت بإنهاكٍ مُفاجئ هدّ جسدها، واعترتها قشعريرة، لم تستطع أشعة الشمس تبديدها.

لقد اعتادت وجوده الصباحيّ واستعراضه المضطرب، كل يوم، وكأنه ترتيب من القدر، ليؤنس وحدتها العارية، فيُضيء الجانب المظلم البارد الذي تعيشه، ورغم أن ذلك الاستعراض كان ينتهي عند حدود الحديقتين إلا أن سعادتها لم تكن تنتهي طيلة النهار، إذ تظلّ تتردّد أصداؤها في نفسها، لتسلّلَ إلى أحلامها.

لم تشعر بمرور الوقت، وكأن الزمن قد توقّف، ثانية، وبدا لها أن كلّ ذكرياتها المؤلمة قد هبطت من السماء.

مرت تلك الليلة طويلة وباردة، وحين استيقظت، في توقيتها المُعتاد، أدارت المذياع، فانداحَ صوت فيروز "أنا عندي حنين.. ما بعرف لمين"، وبدلاً من أن يفرحها الصوت، الذي أفرحها، دوماً، أغرقها في الحزن.

جرّتْ نفسها صوب المطبخ، مُتعثّرة بالأشياء التي وضعتها بنفسها في أمكنتها، منذ وقت طويل، نظرت من النافذة، كان البابُ الذي انتظرت أن يُفتَح، صباحَ الأمس، مايزال مغلقاً.

"يا الله! ما الذي حدث؟" قالت في نفسها، واتجهت نحو الموقد، ركّبت القهوة، وسحبت كرسيّها القديم، لتستدفئ بأشعة الشمس.

"حانَ الوقتُ"، فقد بلغت الشمس شتلة الحبق قرب المرآة، لكنها لم تقم لسقاية زهور الحديقة، كعادتها.

ظلت ترتشف قهوتها بتثاقل وشرود. سمعت طرقاً خفيفاً على الباب، لكنها اعتقدت أن أحداً ما أخطأ الباب المقصود. عاد الطرق أعلى، هذه المرة، فنهضت، وفنجان القهوة في يدها، اتجهت نحو الباب، فتحته؛ كان جارُها بكامل قيافته واقفاً ومرتبكاً، يحملُ أضمومة من الزهور. ألقى تحيّته الصباحية نفسها، لكنْ، بصوت أكثر انخفاضاً وبارتباك أذهلها، وتسلّل إلى صوتها، فردّت تحيته بالارتباك نفسه. مدّ إليها الأضمومة، تناولتها بيد مُرتجفة، وساد الصمت بينهما، للحظة، قطعها بصوت مُتردّد:

 - أنا آسف، لقد تغيّبت عنك، أمس، فقد سافرتُ إلى أبنائي، وعدتُ مسرعاً، لأكون، على موعدنا.

لم تعرف بمَ تجيب، فقد خانتها الكلماتُ، وشعرت بالدماء تتدفّق في عروقها كلها، وتلوّن وجنتيها.

سألها بلهفة:

- ألن تدعيني إلى الدخول، أعجبتني رائحة القهوة، التي تصنعينها..

ابتسمت، بحياء مراهقة صغيرة، وقالت، وهي مُطْرِقةٌ، من دون أن تعي معنى كلماتها:

-  لقد أتيتَ باكراً، جداً، حتى أنني لم ألحق أن أسرّحَ شعري.

وحين رفعت رأسها ونظرتْ في عينيه، كانتا تقطرانِ مودّة ورجاءً، فانداحت في سهوب قلبها أغمارُ سعادة بعيدة، وأردفت مبتسمة:

- تفضلْ...

وفيما كانت تصغي، بكلّ جارحة فيها، إلى وقع خطواته، ملأها إحساسٌ عارمٌ أن حياتها قد بدأت من جديد.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إقرأ أيضا