هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"

نزهة فكرية

جميل هو كوكبنا من بعيد، يخفي داخله كثيراً من التفاصيل.

  • نزهة فكرية

كثيرة هي المرّات التي نذهب فيها بنزهة فكرية. نبحر في خيالنا الذي لا حدود جغرافية له. نجول في عواصم ونغوص أعماق البحار أو نعتلي قمم الجبال. ما أروعها من سفريات لا تكلّف سوى سلاماً داخلياً و راحة بال. أو قد نرتفع بسلّم وظيفي ونضع خططاً مستقبلية، بل أحياناً نترأس سلطة العالم ونبحث عن الحلول الشاملة. أوليس جميل ما وهبنا الله من خيال وأفق واسع؟ لو أننا نعدّ سفن الخيال كل يوم إلى وجهة استكشافية جديدة، ترى ماذا نرى؟
المدى، نعم إنه المدى البصريّ من النافذة صوب البحر والجبل أو السهل. يا ترى لماذا نكلّم أنفسنا وننشغل في سفر مجهول إلى ماض لا نعرفه أو مستقبل نتوق لرؤيته؟ نهاراً تتوجّه بالأنظار إلى البحر، تكلّم أمواجه المتراقصة أو تفكّر في حال سكانّه، كيف يسرحون وهل يمرحون؟

لا نرى مَن يسيّر حركة السير بينهم، وكذلك يغيب عن بالنا انتظام أمرهم في سكنهم وتدوير مخلّفاتهم وأمور كثيرة يحتار المعاصر من جنسنا بحلّها. تساؤلات جميلة و بسيطة، تدرك معها عظَمَة القانون الطبيعي الفطري للكائنات الحيّة.
أما اذا أردنا أن نعلو ونحلّق بعيداً، فإنه الليل، وقت السحر، مسافات شاسعة تفصل بين النجوم. كلّما نظرنا للأعلى، رحلنا بعيداً وارتحلنا من نجمة إلى أخرى، نطوف حولها ونبحر في المجرّات. هناك في تلك المجرّة، ترى الأرض كوكباً جميلاً برّاقاً يسمو بلونه الأزرق، يعلوه سحاب أبيض، ينيره قمر ويدور حول شمس لم تنطفئ عنه يوماً.

جميل هو كوكبنا من بعيد، يخفي داخله كثيراً من التفاصيل. تلك التي تنسي البشر نعمهم التي لا تعدّ ولا تحصى. حمداً لله وشكراً لا متناهياً على ما أحلّ لنا في أرضه وبحره وسمائه وعلى حكمة العقل وعافية الصحّة.
اليوم أردت أن أبحر في هذا الجوّ الجميل الصافي، أن أغدو باكراً مع عائلتي الصغيرة إلى شجرة الميلاد. تلك البعيدة هناك في القطب المُتجمّد. إنها هناك في أرض الأحلام البيضاء، وسط صفاء ونقاء ناصع البياض. هناك تحيا شجرة خضراء جميلة، تحمل كلّ أمانينا وأماني أطفالنا الصغار. حول هذه الشجرة البعيدة، ساحة بيضاء كبيرة تُنار بوهج الشمس، يتوسّطها غزلان يتهيّأون لنقل كل الأحلام من موطنها إلى واقعنا. هذه الغزلان تطير بمعيّة هذا الأب العجوز الطيّب، صاحب الوجه المُضيء واللحية البيضاء. بيضاء هي لحيته، ربّما من كثرة الثلج حوله، أو من طول عُمره اللا مُتناهي. لا أدري أيضاً لماذا رداؤه أحمر لا يفنى ولا يبدّل أبداً؟ كثيرة هي تساؤلاتي عنه وعن أحواله، عن معاشه وحياته، لكن لحُسن حظه أنني لم ألتق به إلى يومي هذا.

أما لو قدِّر لي السفر إليه، لأوقعت من رأسي على مسمعه أسئلة جمّة، لربما عطّلته عن الإيفاء بوعود الميلاد القادم.
يجول هذا الأب في كل عام، الأرض ويزور كلّ البيوت. حتى الجسور والأرصفة يزورها، فتحتها أناس فقراء يعتاشون من المّارة والمحسنين ، ليس لديهم مأوى سوى رحمة الله في أرضه. يزور الجبال والوديان بحثاً عن فقير وجائع، يزور دور الأيتام والعَجَزة، ويمضي إلى السجون  والمستشفيات والمخيمات، يدخل الفرحة أينما حلّ. حتى السنابل تنحني بتواضع له، فيبارك لها قمحها. الميلاد بعرفنا المشرقي، هو يوم وأسبوع وعطلة نهاية عام واستقبال جديد.

هو يوم يغطّي الثلج فيه قمم الجبال لا يميّز بين شرقيّة وغربيّة، جبال لبنانيّة. الناس تجول الشوارع ليلاً تتأمّل الزينة على أنغام شرقية وتدقّ أجراس الكنائس وتصدح آذان المساجد بالمحبة والفرح العامر.
بعد جولته الطويلة الشاقّة، يعود هذا الأب الطيّب إلى بلاده البعيدة، سعيداً وفرحاً كذلك مُنهكاً من التعب بعدما أفرغ حمولة المحبة على البشر أجمع. جلّ ما يشغل باله الآن هو هل نسي أحداً؟ نعم، ينسى في كلّ عام نفسه، أعطى كل ما لديه ولم يترك معه شيئاً. هذه هي فرحته العظيمة، تتجلّى في عطائه. حتى أمنيته الأخيرة لم يشأ إلا أن تكون لغيره ولهذا كرمه أكرم  وقلبه أكبر.

إنه ذاك الذي يجول ويصول ويعطي حتى نرضى. وصل إلى بلاده، ارتجل عن مقعد مزلاجه ولم ينس مكافأة غزلانه. هناك دخل كهفه الثلجي الصغير المتواضع وحيداً. استلقى على لوحه الجليدي، أرخى بجسده المُثقل تعباً عليه، حتى ذاب في رحلة جديدة إلى عام جديد.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً