بديع صنيج

صحافي من سوريا

"خيال الظل" السوري ... "كنز متوارث" على قوائم اليونيسكو

"خيال الظل" السوري ... "كنز متوارث" على قوائم اليونيسكو

منذ فترة، تكلَّلت جهود (الأمانة السورية للتنمية) بالنجاح في إدراج "خيال الظل" ضمن قوائم اليونسكو للتراث الثقافي اللا مادي الذي يحتاج للصون العاجل، وذلك بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب على ملف ترشيح هذا العنصر، بحيث تحوَّل من «فن وشيك الانقراض» كما وصفه السياسي السوري فخري البارودي في مذكّراته الصادرة عام 1951، أو «فن يُتلِف تُراثَه كلّما انطفأت القناديل التي تُضيء شخوصه» بحسب سعد الله ونوس"، إلى عنصر يُسلَّط الضوء عليه بشدّة، من قِبَل مؤسّسات تُعنى بتعزيز وجوده، والسعي لتأسيس قواعد استمراريته وتطويره، لاسيما بعدما ترفّعت الثقافة الرسمية عن الاهتمام به سابقاً، وحُصِرَ تداول أسراره بين بعض الأُسَر جيلاً بعد جيل، على اعتبار أي نص من نصوصه "كنزاً متوارثاً"، وأيضاً بعدما نافسته السينما بقسوة، واعتبر البعض المسرح بديلاً راقياً من "خيمة كركوز"، خاصةً لما عُرِف عنها من "بذاءة" يَرجوها متابعو هذا الفن في المقاهي الشعبية.

تَلَفٌ آخر كاد يُصيب "خيال الظل" بنسخته السورية، بعد الحرب التي اختطفت زكي كورديللو، وأوشكت على إضاعة كل ما جمعه آخر المُخايلين السوريين شادي حلاق الذي تحدّث للميادين الثقافية قائلاً إنه كان يمتلك عدّة كاملة لتصنيع مسرح خيال الظل ضمن منزله في بلدة النَّشَّابيّة التابعة للغوطة الشرقية، لكنها تعرّضت للسرقة والتخريب.

وتتضمّن العدّة جلوداً شفافة من صناعته، إلى جانب أكثر من 1600 شخصية من تصميمه، فضلاً عن ثمانية آلاف كتاب جمعها من مقاهي دمشق وريفها، منها القصة الكاملة للظاهر بيبرس، وأربع مجلدات لقصة عنترة، وألف ليلة وليلة، والزير سالم، والسيف بن ذي يزن،... إلى جانب مجموعة كبيرة من الدفاتر المُرَمَّزة التي لم يكن يعرف معناها، ليكتشف في ما بعد أنها قصص خيال ظل مكتوبة بـ"لغة العصفورة"، وتحوي كيفية تصنيع الجلود، وأهم النصوص في هذا النوع المسرحي.

"قفزة لم أكن أتوقّعها، ومن الجميل جداً الالتفات إلى هذا الفن بعد كل هذا الإهمال" هذا ما قاله شادي حلاق عن خطوة إدراج عنصر "خيال الظل" ضمن قوائم اليونسكو، وأردف: "لجأت سابقاً إلى وزارة الثقافة فقالوا لي "هذا ليس اختصاصنا"، ثم ذهبت إلى جمعية الحرفيين، فأجابوني "لسنا مهتمين"، ثم توجَّهت إلى الصناعيين فقالوا "لا علاقة لنا"، فعدت إلى مديرية التراث الشعبي في وزارة الثقافة ولم يختلف الرَّد، حزنت كثيراً، لاسيما أن هذا الفن بالإمكان الإفادة منه مجتمعياً، في معالجة الأطفال مثلاً، فضلاً عن دوره الكبير في الماضي في شحذ الهمم لمناهضة العثمانيين والفرنسيين، كما أنه كان بمثابة وسيلة إعلامية ومصدر معلومات للناس البسطاء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،... وبعد عملي على إحيائه طيلة 15 عاماً كان يؤسفني أن تذهب جهودي هباءً منثوراً، إلى أن جاء تسجيله ضمن قوائم اليونسكو فأعاد لي الأمل".

هذا الأمل استغرق إنجازه من قِبَل (الأمانة السورية للتنمية) حوالى الأربع سنوات، بجهود فريق برنامج التراث الحي المعني بتعزيز الهوية الثقافية السورية، والتوعية بأهمية ممارسة المجتمعات لتراثها اللا مادي.

"بدأ الفريق إعداد ملف الترشيح منذ عام 2014"، بحسب المدير التنفيذي للبرنامج ريم صقر التي أوضحت للميادين الثقافية "لعلمنا بأن خيال الظل الذي كان منتشراً بكثرة في سوريا بدأ يختفي، تواصَلْنا مع شادي حلاق آخر مخايل في سوريا ورث الحرفة عن والده حكواتي النوفرة رشيد حلاق رحمه الله، بعد معرفتنا برغبته في صون هذا العنصر الثقافي، فكان العمل معه عبر سلسلة نشاطات (ورش عمل، عروض في الأماكن العامة، أرشفة وتوثيق ومقابلات تلفزيونية وصوتية) بغية استكمال المعايير المطلوبة لملف الترشيح، والتي توجب أيضاً الحصول على الموافقات من المجتمع المحلي مُوَقَّعَة باليد". 

وأضافت صقر: "كما قمنا بتوثيق 400 قطعة تعود لخيال الظل موجودة ضمن متحف التقاليد الشعبية في قصر العظم، منتمية لمدارس مختلفة ولمخايلين متعدّدين من كل المحافظات السورية، وذلك من حيث القياس، وحالة القطعة، وإن كانت بحاجة لإعادة ترميم، أو توحيد ألوان، أو ترميم الجلود، وأعدنا تصنيفها وترتيبها بهدف إنشاء كتاب توثيقي عن خيال الظل، لننجح بعد كل هذه الإجراءات بتقديم العنصر لليونيسكو عام 2017، ولتأتي النتيجة بعد اجتماع لجنة التحكيم الدولية بجزيرة "بورت لويس- موريشوس" التي أقرت في الـ2018 إدراج عنصر خيال الظل في سوريا على قائمة التراث الثقافي اللا مادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، كأول عنصر من سوريا يدُرج على تلك القائمة".

من جهتها، قالت شيرين نداف وهي إحدى أعضاء فريق برنامج التراث الحي "إن حاجة هذا الفن للصون العاجل أتت من كونه بدأ يتعرّض لمجموعة تحديات أهمها:  دخول التكنولوجيا وتوجّه الناس نحو الإنترنت والتلفزيون، إضافة إلى أخطار الحرب وسرقة الأدوات  والمعدات الخاصة بخيال الظل، وتوقف آخر المخايلين السوريين شادي حلاق عن أداء العروض نتيجة الأوضاع الأمنية، ما كوَّن لدى برنامج التراث الحي رغبة للاستجابة لطلب المجتمع المحلي بالاهتمام بالعنصر".

وبيَّنت نداف أنه بعد مشاركة (الأمانة السورية للتنمية) عام 2015 كعضو في هيئة التحكيم الدولية لتقييم عناصر التراث الثقافي اللا مادي العالمي، ازدادت خبرتها في كيفية إعداد ملفات الترشيح لقوائم اليونيسكو، ومدى مطابقة العنصر للمعايير التي تحدّدها اتفاقية صون التراث الثقافي لعام 2003 (صادقت عليها سوريا عام 2006)، وانطلاقاً من ذلك، كما أوضحت نداف، بدأ برنامج التراث الحيّ في الأمانة بإعداد سجل وطني، حصرت من خلاله عناصر التراث الثقافي مع توثيقها وختمها رسمياً، بحيث يتم اعتمادها على المستويين المحلي والعالمي، وبعد إصدار السجل بدأ العمل على إدراج "خيال الظل" على تلك القوائم، مع التأكيد على كونه يحمل معنىً ثقافياً ووظيفة اجتماعية لحامليه وللمجتمع السوري بشكل عام.

وفي ما يتعلق بخطة الصون العاجل التي ينبغي الالتزام بها قالت نداف إنها "تتضمّن تدريب مخايلين جدداً، لأنه بحسب اليونيسكو لا ينبغي للمعارف أن تبقى محصورة بشخص واحد، وإنما يتوجَّب نقلها من جيل لآخر، فضلاً عن إقامة عروض مسرحية في المحافظات السورية، وورش عمل، وكل ما يساهم بإعادة إحياء هذا العنصر الثقافي ضمن المجتمع، بما في ذلك إعداد كتاب توثيقي عن "خيال الظل" قيد الإنجاز من قِبَل الأمانة".

أما عن اختلاف "خيال الظل" السوري عن سواه في إندونيسيا والصين وتركيا ومصر، فقالت العضو في فريق برنامج التراث الحيّ إن «اليونيسكو تقول ضمن اتفاقياتها إن التراث ملك لجميع الشعوب، ولا شيء أصيل أو ينسب إلى شعب واحد من دون غيره، لكن هناك صبغة معينة، وبيئة ثقافية حاضنة لهذا التراث، وبالتالي يبقى جزءاً من هوية المجتمع، والخصوصية السورية لخيال الظل جاءت من المدارس المتخصّصة بصناعة القطع، من حيث الألوان، ونقاط التحريك، وشخصيات القصص وحبكاتها التي تعكس البيئة المحلية، وتنهل حكاياها من مفردات تلك البيئة، بحيث أنك لن تسمع كركوزاً يحكي اللهجة الحلبية إلا في حلب، ولن تشاهد خيمته مُعلَّقة في السقف منعاً لابتلالها بماء البحر إلا في أرواد وهكذا".

وبعد النجاح في إدراج "خيال الظل" على قائمة الصون العاجل باتت الآمال موجّهة إلى الوردة الشامية، والقدود الحلبية، وصناعة الأعواد، كعناصر ثقافية أكملت الأمانة ملفات ترشيحها، علَّها تجد طريقها إلى قوائم التراث الثقافي اللا مادي في منظمة اليونيسكو خلال العام الحالي وفي الأعوام المقبلة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً