عبد الرحيم نور الدين

كاتب ومترجم مغربي

أندري كونت سبونفيل: الفلسفة ولغز الفن

يتضمّن الفن بعض اللغز. العالم ذاته لغز، والإنسان كذلك.

من هو أندري كونت سبونفيل؟

أندري كونت سبونفيل
أندري كونت سبونفيل

أندري كونت سبونفيل  André Comte-Sponville المولود سنة 1952 في باريس، فيلسوف فرنسي لامع وذائع الصيت، تتلمذ في الجامعة على يد مارسيل كونش الذي أشرف على أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه (1983). مارس تعليم الفلسفة في المدارس الثانوية قبل الالتحاق بالسوربون للتدريس بها إلى حدود عام 1998. بعد ذلك تفرّغ للكتابة والتأليف وإلقاء المحاضرات. أصدر العديد من الكتب التي تعانق انشغالات الإنسان المعاصر، نذكر منها: "معجم فلسفي"، "هل الرأسمالية أخلاقية؟"، "عن الجسد"، "الفلسفة"، "اليأس المرح"، "الحياة البشرية"، "كامي، من العبث إلى الحب"، "القيمة والحقيقة"، "تربية فلسفية"، "رسالة صغيرة عن الفضائل الكبيرة"، إلخ.

النص التالي هو مقدمة كتبها سبونفيل لكتاب "الفن، من أفلاطون إلى دولوز" من تأليف سريل مورانا وإريك أودان؛ دار نشر إيرول، 2010، باريس.

 


الفلسفة ولغز الفن

يتضمن الفن بعض  اللغز. ربما هذا ما يغضب أو يربك الفلاسفة. قال باسكال ذلك بشكل صريح: "أي عجب هو الفن التشكيلي الذي يجذب الإعجاب بتشابه الأشياء التي لا تستحسن أبداً أصولها".

سيقال إن ذلك لا قيمة له إلا بالنسبة (أو بالأحرى ضد) الفن التصويري.ربما. لكن من المشكوك فيه أن يكون الكاتب العبقري لــ "الخواطر"، رأى في موسيقى زمانه، أو قد يكون رأى، في الفن التجريدي لزماننا، شيئاً آخر غير تسليات ثانوية في المجمل. قد يسأل ما أتفه موسيقى أو رسم ما لا يشبهان أي شيء؟ بؤس الإنسان من دون إله؛ بؤس الفن من دون دين.

باسكال مجرّد مثال. يحدث كل شيء كما لو أن الفلاسفة، أمام الفن، كانوا يشعرون بأنفسهم في وضعية خطر أو منافسة. حتى أبيقورس، الذي لم يكن كثير التديّن، كان يرتاب من الفنانين. إفراط في المتخيّل، إفراط في الأهواء، إفراط في الرغبات التافهة...وماذا نقول عن أفلاطون، الذي طرد الشاعر من المدينة؟ وعن أرسطو الذي حصر رسالة الفن في مُحاكاة الطبيعة فقط، أكانت مُطهَّرة ومُطهِّرة؟ أو عن كانط كذلك، الذي يهتم بالجميل أكثر من اهتمامه بالفن، وبالحكم أكثر من الانفعال، والذي كان يفضّل جمال الطبيعة الخالص على الجمال، المتّهم دوماً بعدم الطهر وبألا أخلاقية، الذي يعرضه علينا الفنانون؟

حتى هيغل، العميق جداً مع ذلك، القوي جداً، العارف جداً، ورغم أنه يضع الفن في مرتبة أعلى من مرتبة الطبيعة، فإنه لا يرى في الفن سوى درجة أولى، المتجاوزة نهائياً علاوة على ذلك، في مسيرة الفكر- الذي لا يعبّر عن ذاته في مادة حسيّة (المنجزة الفنية) إلا لأنه لم يبلغ بعد التطابُق الكامل مع ذاته. ذلك التطابُق الذي يقدّم ذاته في الدين (المسيحي بشكل خاص)، أو، بتعبير أفضل، في الفلسفة (الهيغيلية بشكل خاص).

ومع ذلك فهؤلاء الفلاسفة هم عباقرة عظام يعطون الكثير للتفكير، بما فيه التفكير في الفن. ربما أنه امتياز العبقري: لا يحتاج إلى أن يكون محقّاً ليكون موضِّحاً (خطأ يرتكبه ديكارت، كما كان يقول آلان، أفضل من حقيقة يقولها تلميذ إبتدائية)، ولا أن نكون متفقين معه لإثراء معرفتنا عبر مصاحبته.

لا يفكّر المرء بمفرده، ولا من خلال التعبير عن الموافقة فقط. ينبغي كذلك مقابلة أفكار الآخرين، ومواجهتها، ويكون من الأحسن جداً لو تفوّق علينا الآخرون، حتى لو لم يكن بمقدورهم إقناعنا دائماً. لن يكون الفكر جرّاء ذلك، إلا أكثر حرية في البحث عن طريقه وسط الآثار التي تركها الآخرون، واتباعه، وابتكاره في بعض الأحيان، وتلك هي الفلسفة عينها.

إن الماضي، بالنسبة للفن مثلما هو أيضاً بالنسبة للفلسفة، لا يمضي - أو بالأحرى إنه يمضي (أرسطو أو مونتفيردي هما إلى الأبد خلفنا) لكنه يبقى مُتاحاً إلى ما لا نهاية: لن تكفي حياة فرد للإعجاب بتلك الروائع الفنية العديدة التي خلّفتها ثلاثة آلاف سنة من الحضارة (من دون الحديث عن فن ما قبل التاريخ).

إنه شبيه بمخر البشرية، في محيط الزمن، وقد يكون أيضاً قمته. يتضمّن الفن بعض اللغز كما يوجد كذلك في الفلسفة، وربما قد يكون هو نفسه: أن تكون الحقيقة سبباً في متعة أو انفعال، وأن تكون المتعة والانفعال حقيقيين، وأن يبهجنا ما نتعرّف عليه بوصفه الواقعي (نعم هو ذاك، إنه هو بالضبط!)، أو يربكنا (حقيقة شوبرت، وأعلى منها حقيقة موزارت!). أخيراً أن يكون بمُستطاع الوَهْم عينه أن يساعدنا (على عدم الموت من الحقيقة) ، كما قال نيتشه، بل وأن يساعدنا على محبته والعيش به.

ذلك هو ما نسمّيه الفكر، وهو لا يوجد، على أية حال هنا في العالم السفلي، سوى مجسّداً في جسم أو في منجزة.

ذكَّرت قبل قليل بصيغة هيغل الشهيرة، والتي ترن مثل ساطور: إن الفن من حيث غايته العليا، هو وسيبقى بالنسبة لنا شيئاً من الماضي. لقد فَقَدَ كل ما كان يمتاز به من حقيقة وحياة أصيلتين.

يمكن اعتبار، وبصورة مشروعة، أن منجزات بتهوفن أو هولدرلين، مواطنيه ومعاصريه، قد خطأته، مثلما تفعل بالأولى (لأنها لاحقة عليه) منجزات فان غوخ أو ريلكه، تشيخوف أو ستارفنسكي، رودان أو بروست، بيرغمان أو كوروساوا...أنظروا إلى هذه الحشود المُسرعة - اليوم أكثر مما كانت عليه في القرن التاسع عشر- إلى المتاحف، بما فيها متاحف الفن المعاصر!

ألا يكون هذا كافياً لدحض هيغل. أنا موافق، إلا أنه يضفي نسبية على مدى تشخيصه. لم يتوقّف الفن عن إرضاء الناس ولا عن إبهارهم، ولا عن منح فرصة التأمّل والحب والاستمتاع...يحدث لي كما يحدث لآخرين، أمام ما قد تحوّل إليه الفن المعاصر، أن أكرّر جملة هيغل، بحنين أو بحيرة.

لكني أرى، عندما أمعن فيها النظر، أنها تشتمل على قَدْرٍ من الحَيف. إن الروائع الفنية العديدة التي راكمتها البشرية، خلال ما يقارب الثلاثة آلاف سنة، تشكّل ما يشبه كتلة ضخمة، لا تنفد ولا تقبل التجاوز، وبجوارها قد تبدو كل منجزة جديدة، في تفرّدها المادي وتقريباً الحكائي، زهيدة وغير مُجدية.

ذلك ما سمّيته، منذ زمن طويل، وأنا أفكّر في ماركس، الــ "الانخفاض النزَّاع لمعدّل الإبداع": كل منجزة جديدة، وإن كانت ناجحة جوهرياً، تضيف بشكل متناسب قيمة، مُتضائلة أكثر فأكثر، لرأس المال الفني المُتراكم، بحيث نادراً ما يستطيع تراكم المنجزات الماضية الزائد، أن يحدث، كما هي الحال في الاقتصاد، من دون انخفاض قيمة كل إنتاج جديد.

تخيّلوا بلاد اليونان عندما ظهرت الإلياذة. عاش المشهد الشعري حالة ارتباك تام ونهائي جرّاء ذلك. أبداً لن يحدث هذا مرة أخرى. لن تكون لشاعر ما أهمية هوميروس، ولا لموسيقي ما أهمية باخ، ولا لنحّات ما أهمية فيدياس أو ميكيل أنجلو، ولا لرسّام ما أهمية جيوتو أو رامبرانت.

ماذا ستضيف لوحة أخرى إلى مَن يحتمل أن يكون مالِكاً لملايين اللوحات؟ نحن، بمتاحفنا، هؤلاء المالكين المُتخمين للملايين. سنكون مُخطئين إذا ما اشتكينا من ذلك (إن إمكان الاستمتاع بالفن الماضي فرصة رائعة)، وإذا ما آخذنا به فنانينا الذين لا يستطيعون ولكن. هل هو خطأهم إذا ولدوا في وقت متأخّر جداً، وإذا كانوا معاصرين لنا، وليس لسقراط أو مونطين، وإذا كان مجد البدايات ممنوعاً عليهم؟ ماذا يستطيع "العمل الحيّ" فعله، كما يقول ماركس، أمام ثلاثين قرناً من الروائع الفنية الخالدة؟

من هنا، ما نجده عند بعض الفنانين من إغراء للقيام بشيء مُغاير تماماً، من أجل تفادي المقارنات. وتثبيط آخرين، الذين لا يريدون لا القيام بأي شيء كيفما كان، ونحن نتفهّم موقفهم، ولا الاستسلام لتكرار ما فعله الغير سابقاً.

إن هذا لا يدين الفن الحيّ، بعيداً من ذلك، لكنه يجعله من دون شك صعباً أكثر مما كان عليه في القرون الخالية - بالضبط لأن هذه القرون، في ما يتعلّق بالفن، تبقى سهلة البلوغ (في متاحفنا، ومكتباتنا، وقاعات الحفلات الموسيقية أو قاعات السينما)، ومُشرفة على كل حاضر ممكن من علو أبديتها الضرورية.

أضف إلى ذلك ثقل المال، والسوق، ووسائل الإعلام، والتكتلات، والمؤسّسات، والسلطات، وستتكوّن لديك فكرة عما يثقل كاهل فنانينا.

لقد استشعر نيتشه ذلك، ربما بشكل أفضل من هيغل. شيء ما حدث، في مجتمعاتنا الديمقراطية، وجاء لإرباك علاقتنا بالفن: نُظم النقد عادات المسرح والعروض الموسيقية، هيمَن الصحافي على المدرسة، وتحكّمت الصحافة في المجتمع، وانحط الفن إلى مجرّد تسلية من الدَرَك الأسفل؛ وصار النقد الإستيطيقي أداة لإجتماعية مغرورة، مشتّتة الذهن، أنانية، ومُبتذلة بشكل بائس؛ إلى درجة كَثُرَ الحديث عن الفن بقدر لم يعهد من قبل، وأهمل كثيراً.  يلزم فنانو العصر الحالي الكثير من الشجاعة لمواجهة مناخ من هذا القبيل، خاصة إذا كانوا صادقين، وكانوا مزيجاً، نادراً بالضرورة، من الجرأة والتواضع. لا يعوّض ذلك العبقرية؟ أفهم ذلك جيداً. لكن ليس بمقدور أيّ عبقري الاستغناء عن ذلك.

أن يكون الفن العظيم خلفنا بصفة نهائية، لا أؤمن بذلك. لكنه لا يعني أن كافة ما هو أمامنا، حتى لو كان موضوع احتفال، وحتى لو كان ثمنه باهظاً، هو عظيم. لكل واحد الحق في الحُكم، وهذا ما نسمّيه الذوق، أو القرف.

لقد أوضح كانط بشكل جيّد أن أحكامنا الإستيطيقية ليس لها برهان (الذوق لا يناقش) لكنها تنزع مع ذلك نحو أفق ممكن الكونية على الأقل (وهو ما يسمّه بمناقشته). بهذا فإن كل منجزة رائعة، في الفن، هي مفارِقة: ذاتية مثل متعة أو انفعال، وكونية مثل حقيقة، في الآن ذاته محدودة ولا نهاية لها (منفتحة على لا نهائي الأحاسيس والانفعالات والتأويلات)، كما لو كانت على الدوام ممزّقة بين التاريخ والأبدية، وبين الجسم والفكر، وبين الواقعي والمتخيَّل، وبين العمل والإلهام، وبين السر والعرض الفرجوي، وبين الأكثر حميمية والأكثر رحابة، وبين اللاشعور والجليل، وبين الأكثر غموضاً والأكثر إبهاراً.

يتضمّن الفن بعض اللغز، وهذا اللغز يشبهنا. إنه مثل نور في ليلتنا، حيث الليل هو الذي ينيرنا. ذلك أن ثمة لغزاً في العالم أيضاً، أو بالأحرى أن العالم ذاته لغز، والإنسان كذلك. وهو ما تذكّرنا به الفنون، وما به تمّت إلى الميتافيزيقا، وما يجب أن يتذكّره الفلاسفة.

ترجمة: عبد الرحيم نور الدين

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]