نور درويش

صحافية من سوريا

أبو علي "عازف" الحفر على الخشب

مع الأيام والسنين تصبح المهنة جزءاً من روح صاحبها، تعالوا لنتعرف إلى قصة "أبو علي".

في الريف السوري يأخذك مشهد لمهنة تراثية متوارثة عن الآباء والأجداد. فعلى  ناصية الطريق يجلس العمّ أبو علي "عازِفاً" ألحان النقر والحفر على الخشب.

مهنة توارثها عن والده منذ السّادسة من عُمره. أدواته القديمة وتواضع مكانه لم يمنعْه من النّضال لبقاء صنعته. فيداه اللتان اعتادتا الحفر على الخشب تضيئان بحركتهما صوَراً من التراث السوري.

في كشكٍ صغيرٍ من القصَب متواضع، ومُزيّن بأدواتٍ خشبيةٍ منها ما هو للطعام وصولاً إلى طاولات الزَهْرٍ المحفورة بطرقٍ فنيةٍ ومجموعة من النايات المصنوعة يدوياً، يجلس العمّ أبو علي مُحاطاً بأدواته القديمة البسيطة التي تثير فضول كل من يشاهدها من المارّة، فيقترب ويسأل ويحتفظ بإحدى مصنوعات هذا الرجل السبعيني كنوعٍ من الحنين لكل ما هو قديم.

التقت الميادين الثقافية، أبو علي، صاحب المهنة التي تتطلّب من الصبر الكثير، وسألته عنها وعن أهميتها التراثية وكيفية الحفاظ عليها.

فأجاب:"إنها إرثي الغالي. الحفر على الخشب هو مهنة الصبر والفن والدقّة وهو من الحِرَف اليدوية الإبداعية التي تعاقبت عليها حضارات مرت على هذه الأرض"، مضيفاً "تمتاز هذه المهنة بمدى قدرة مَن يقوم بالحفر على تطويع الخشب بيديه لينجز أشكالاً تُبهِر الناظِر إليها".

أما عن المعدّات المُستخدَمة في مهنة الحفر على الخشب فإنها وفق أبو علي "بسيطة، فهي عبارة عن أزاميل بأحجامٍ مختلفةٍ ومطرقة خشبية وعادة يكون الخشب المُستخدَم من شجر الجوز والسنديان لقدرته على تحمّل الظروف المناخية".

لا يسترعي المردود المادي من هذه المهنة أيّ اهتمام بالنسبة لأبي علي على ما يقول لنا، "أنا أهتم بالحفاظ على هذا الإرث ونقله لأبنائي ومن ثم أحفادي، وهذا أهم بكثير على الرغم من مردوه المقبول".

ويشرح قائلاً "يزداد طلب الناس للمعدّات والأدوات التي أصنعها خصوصاً في المواسم السياحية، كالقطع التراثية وأدوات الطبخ لما تتميّز به من شروطٍ صحيةٍ أكثر من الحديد والألمنيوم، وأخرى للزينة كالألواح المحفورة عليها الصوَر من وحي الواقع. والزوّار أحياناً يطلبون مني حفر أسمائهم"، وعند هذه الجملة يشير بأصبعه إلى عصا خشبية محفورٌة عليها صورة لدورة الحياة من الولادة حتى الموت. حيث صنع أبو علي قطعة خشبية جامدة إلى ما يشبه لوحة فنية تضمّ أشكالاً ورسومات "ناطقة".

مع الأيام والسنين تصبح المهنة جزءاً من جسد وروح صاحبها. هذا ما يؤكّده لنا أبو علي قائلاً إنه "منذ 60 عاماً تعلّمت هذه المهنة كما يتعلّم الطفل حروفه الأولى. فأنا ترعرعت على هذه الحرفة التي كانت حاجة ملحّة عند الناس.

أما في وقتنا الحاضر فلم تعد سوى تقليداً متوارثاً وتوسّعت وأصبحت تُصنَع هكذا أشياء في معامل مُتخصّصة. لكن سأحاول الحفاظ على صنعها يدوياً ومن خشب الأشجار حصراً ما حييت. فأنا أقْدَم شخص في هذه المنطقة يقوم بمثل هذه الأعمال الحرفية القديمة، وهذه المهنة هي أغلى إرث سأقدّمه لأبنائي بعد وفاتي ووصيّتي الوحيدة الحفاظ عليه".

كما ملايين السوريين، انعسكت الأزمة سلباً على أبي علي، إذ قبلها كان السيّاح الأجانب أكثر ما يعجبهم هو التراثيات والحرف اليدوية و"حاول الكثير منهم إقناعي بأن أذهب لبلادهم لأطوّر مهاراتي ويستفيدون من خبراتي، لكنني رفضت لأن هذه الأرض أرض الحضارات وهنا وجدت كل هذه المهن القديمة. لكن الحرب أثّرت على كثير من الحرف والمهن اليدوية خصوصاً في المناطق الشرقية كصناعة الصابون والمنسوجات والنحاسيات لهجرة أصحابها أو تحوّل مكان عملهم إلى خطوط قتال".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]