علي عاشور

كاتب من السعودية

المسلمون في كندا ... صراعات محمولة في الحقائب

كيف يعيش المسلمون العرب في العاصمة الكندية؟ وهل يحملون مشاكلهم معهم من بلدانهم الأم؟

  • المسلمون ما بين الاعتدال والتصارُع في العاصمة الكندية !

يشعر العربي المسلم الذي يعيش في بلده، أن غيره من العرب الموجودين في الدول الغربية لديهم من التفوّق المعرفي والانفتاح الفكري ما يكفي لإنقاذ هذه الأمّة المنكوبة على جميع المستويات. شعور الغيرة المُتفاقم في السنوات الأخيرة – خصوصاً بعد ما يسمّى بــ "الربيع العربي"، والمُصاحب لطوفان الهجرة، خلق أوهاماً جديدة وأجّج في نفوس الأجيال التوق للخروج من "التخلّف الشرقي" إلى "التطوّر الغربي".

تزايد هذا الشعور مع الطفرة التكنولوجية وتوفّرها للجميع ما ساهم في فتح آفاق التواصل والاطّلاع بين الناس، إضافة إلى فتح بعض الدول وعلى رأسها كندا أبواب الهجرة. هكذا صارت كندا ملاذاً للكثير من المهاجرين العرب وغير العرب منذ ثمانينيات القرن الماضي، خصوصاً لطالبي اللجوء السياسي والإنساني.

غير أن إلقاء نظرة مُراقِبة ومُتأمّلة لأحوال العرب المسلمين في كندا تكشف أن غالبيتهم يحملون معهم موروثهم التاريخي والثقافي ويصبّونه في قالب وصراع مشابه للموجود في بلدانهم الأمّ! ولذلك فإن ما يتصوّره العربي في بلده عن حياة غيره في الغرب، ليس سوى وَهْم كبير يُضاف إلى قائمة الأوهام العربية.

رغم أنّ كاتب هذه السطور وافد جديد إلى العاصمة الكندية أوتاوا، إلا أنّ انخراطه في أوساط العرب المسلمين كشف له الكثير من الاضطرابات والمشاكل على أكثر من مستوى. هذا الأمر كان دافعاً للتحقيق في بعض جوانب حياة هذا "المجتمع". فقابل مجموعة من الأشخاص ذوي الصلة، الذين فضّلوا عدم الإفصاح عن أسمائهم تجنّباً لــ "المشاكل"، وأعدّ للميادين الثقافية هذا التحقيق.

موروثات وصراعات محمولة من البلدان الأم

  • المسلمون ما بين الاعتدال والتصارُع في العاصمة الكندية !

في دراسة ديموغرافية لدائرة الهجرة الكندية شكّل اللاجئون العرب قبل تفجّر موجة الهجرة 22.4% من مجموع اللاجئين بين الأعوام 2008 و 2012، بمعدل عربي واحد من بين كل 5 لاجئين. كما يشكل المسلمون 55% تقريباً من نسبة العرب الموجودين في كندا.

ويعدّ التواجد العربي في أوتاوا وجاتينو ثالث أكبر تجمّع عربي في مدن كندا بحسب دراسة قدّمتها (الجمعية العربية الكندية). ما يقارب 60% هي نسبة المسلمين من هذا التجمّع. لكن حجم الصراعات الموجودة بين المسلمين يتجاوز جميع النِسَب والتجمّعات!

يقول أحد مسؤولي (الكشاف الكندي) السابقين الذي كان مشرفاً على ملف المسلمين، إنه خلال فترة عمله شهد كيف "كانت أوراق الصراعات الدينية الداخلية مفتوحة ما بين شيعي سنّي وما بين شيعي شيعي وما بين سنّي سنّي. إذ يتمركز هذا الصراع في السيطرة على إدارة المساجد والمراكز وخدمة الجماعة المنتمية لهذا المسجد أو ذاك المركز الديني"، ويضيف "قانون المساواة الذي يشمل المواطنين جميعاً ينكسر عند وصوله للأطر الأيديولوجية والتطبيقات العقدية. وهذا لا يدخل فقط في رفض الآخر و"تكفيره"، بل يتجاوز ذلك بالوصول إلى دعم هذا الموافق ومساعدته بالعمل وتفضيله على ذاك المخالف بغض النظر عن كفاءاته العلمية".

وهذا يعني أنه لا توجد ثقافة وحدة وتعايش نابعة من أفكار ومعتقدات الجماعات الذين عاشوا وترعرع معظمهم في دول تحكمها قوانين تؤسس وتدعو للتعايش وقبول الآخر والعيش كوحدة مجتمع متحضّر، بل إن الصورة التي يمثلها الكثير من هؤلاء الأشخاص بالقانون هي صورة سطحية وغطاء حماية وخوف من المحاسبة. بينما الواقع الفكري والثقافة السلوكية أبعد من ذلك تماماً.

ويعلّق مسؤول الكشّاف السابق على الخطاب الديني قائلاً "عوّلنا كثيراً على انتشار المساجد والمراكز بنشر خطاب أخلاقي وقيمي معتدل. صدم عدد كبير من الناس من الخطاب الموجود مما جعلهم ينفرون من هذه الأماكن. بينما فتحت شهية المُتعصّبين والمُتطرّفين أكثر. كارثتنا ليست هنا بقدر ما هي دخول الكثير من المعتدلين والشباب الناشئ في بيئة المجتمع الكندي إلى كنف جماعات الخطابات القائمة على العصبيات والخرافات والتفرقة الدينية والمذهبية. أسأل نفسي كثيراً كيف وصلنا لهذه المرحلة البائسة؟".

في السنوات الثلاث الأخيرة تم إغلاق بعض المساجد والمراكز بسبب أئمتها وبعض القائمين عليها ممّن يدعون إلى "الجهاد" و"نصرة المجاهدين" في تنظيمي "داعش" و"القاعدة" وغيرهما من الجماعات الإرهابية. كما وصل البعض إلى حدّ الدعوة إلى نشر "الإسلام الصحيح" وإلغاء "قوانين الكفار" التي تساهم في ما يرونه انحراف وضياع الشباب المسلم وتحد من دعوة الإسلام! كما أغلقت بعض المراكز الأخرى بسبب تهرب القائمين من سداد الضرائب!

هؤلاء الأئمة والمشايخ أنفسهم هم من حمتهم الدولة الكندية بالقوانين البشرية الوضعية التي ساعدتهم وساوتهم وفتحت آفاق العلم والعمل لأبنائهم مع جميع أطياف المجتمع الكندي. ما يُخيف الناس هنا ليس مخالفة هؤلاء للقانون، بل دعوتهم لأبنائهم ومجتمعاتهم لرفض القِيَم التي يقوم عليها القانون وبالضرورة رفض الآخرين المختلفين معهم. المأساة الكبرى تنكشف عندما سئل بعضهم لماذا أغلقت هذه المراكز أو المساجد، فكان الجواب "مؤامرة الغرب ضد الإسلام!".

كذلك، تتهاوى أطر الصوَر في التجمّعات والعلاقات حتى داخل المذهب الواحد تبعاً لكل جماعة وارتباطها بمرجعها وما يمليه ذلك عليها من سلوكيات واعتقادات. ويتضح ذلك جلياً خلال ممارسة الطقوس وإيمان البعض بالكرامات وغير ذلك. هذه الصراعات لا نراها ضمن حلقات الشيوخ وسادة ومسؤولي المراكز والتجمّعات المختلفة فحسب، بل تنسحب إلى داخل البيت الواحد بين الآباء والأبناء والأخوة!

يضيف مسؤول الكشاف الكندي السابق معلقاً، "تتفاقم هذه المشاكل وتكثر هذه الصراعات مع تزايد وفود اللاجئين وخصوصاً أولئك القادمين من دول الحروب!".

وعندما طرح عليه سؤال حول غياب الحديث الجاد في هذه المشكلات ومحاولة إيجاد حلول لها، علّق خجلاً: "لا يريد أحد أن يواجه سخط الجالية عليه أو يواجه التيارات وحيداً! المثقفون المنتجون تركوا المواجهة ونزحوا إلى عوالمهم الخاصة".

قابلت الميادين الثقافية أحد أئمة المساجد في أوتاوا، فناقشته في كل النقاط التي أثرناها أعلاه، فأجابها بطرح مسألة خطيرة جداً وهي أن الدولة الكندية "أعطت القادمين جميع المميّزات والحقوق الكفيلة بدعم وتطوير الإنسان وجعله خلّاقاً ومبدعاً. المجتمع هنا صديق وكفيل بدعم أيّ فرد حتى آخر حد ممكن، لكن صراعات تراثنا حالت دون ذلك!"، ويضيف أن "الكثير من الآباء هنا جنوا على أبنائهم بفرض الدين عليهم جبراً مما ألغى ثقافة الاختيار والتسامح مع الآخرين. وألغى كذلك تصالح الأبناء مع أنفسهم وفهمهم لثقافتهم وقِيَمهم. يقول بعض المعتدلين إنّ الأبناء عند انخراطهم مع المجتمع المنفتح سيتجاوزون سلوكيات الآباء، لكن ذلك غير صحيح! كم هو مخيف هذا الأمر!".

لا تشذّ حال المرأة العربية المسلمة عن هذا الإطار. إذ رغم وجودها في بلد تحكمه قوانين تنشد العدل والمساواة، إلا أنها داخل جماعاتها الاجتماعية والدينية وفي المنزل تعدّ "ناقصة عقل ودين". ومهما حاول البعض إنكار هذا الواقع كلامياً، إلا أن سلوك أصحابه يفضحه. يمكن لمس هذه المشكلة عند وصول الفتاة لسنّ البلوغ الشرعي أو سنّ البلوغ القانوني وارتداء الحجاب. ووصل الأمر ببعض اللاجئين الجدُد بمنع الفتاة من إكمال دراستها الجامعية والبدء بمساعدة العائلة طمعاً بدخل أعلى، علماً أن السلطات الكندية تصرف المعونات وتوفّر السكن والتأمين والمِنَح الدراسية، إلا أنّ بعض الآباء يختارون بقاء أبنائهم بعيداً عن الانخراط بالمجتمع الأكاديمي – خصوصاً الفتيات – من دون التفكير بمستقبلهن.

فالهدف هو الحَجْر على الفتيات وإبعادهن عن أية بيئة مختلطة تسمح لهن بالاندماج مع الذكور – خصوصاً المختلفين عنهن دينياً. وهذا للأسف أودى بحياة الكثيرين إلى دخول عالم السلاح والمخدرات والدعارة!

أطفال اللاجئين العرب

  • المسلمون ما بين الاعتدال والتصارُع في العاصمة الكندية !

ترى كيف هي أحوال أطفال اللاجئين العرب في المدارس الكندية؟ تجيبنا إحدى مدرّسات العلوم بالقول "كم هو جارح هذا السؤال! نعرف جميعاً في هيئة التدريس أن اختلاف أماكن المعيشة واختلاف الثقافات يسبّب صدمة للوافدين الجُدُد. غالباً ما نحاول أن نتعامل معاملة خاصة ونتودّد للطلاب ليشعروا أننا أصدقاؤهم. ما يدهشني حقاً أن جميع المسائل والنظريات العلمية التي حسمت قبل أكثر من مائة عام هي أبعد ما يكون عن مُتخيّل هؤلاء الأطفال! لا يعرفون شيئاً عن نظرية التطوّر ولا عن أساسيات الفيزياء التي يتجاوزها الأطفال المولودون هنا بالمرحلة الابتدائية بغضّ النظر عن إيمان البعض بها أم لا. فكما يوجد هناك متعصّبون أيديولوجياً يوجد هنا أيضاً. المشكلة حينما يبدأ البعض بمحاربة العِلم لأنّه يخالف القرآن أو لا يقول به القرآن. يتّضح لنا أن ما يوجد في ثقافة هؤلاء الأطفال أن كل ما هو خارج عن النصّ المُقدّس هو غير صحيح. حاولت كثيراً أن أشرح لهم جمال العِلم. المؤلم أن البعض لا يكتفي برفض الفكرة بل يتعامل مع الموضوع كمؤامرة ما قد تم تنبيههم لها مسبقاً! هل يُعقل هذا!".

هنا، تتدخّل إحدى المُرشدات لتُضيء على معضلة أخرى عن الشرخ الحاصل بين الأهل وبين أطفالهم في المدرسة، فتقول "بعض الآباء مألوفين لدينا. يراجعون المدرسة منذ عامين وبعضهم منذ ثلاثة أعوام لتفقّد أحوال أبنائهم أو لمراجعة رسمية لسبب أو لآخر. ما يقلقني ناحيتهم أنهم لا يتكلمون الإنكليزية مطلقاً! كيف يمكنهم متابعة دروس الأطفال ومعرفة مشكلاتهم الدراسية والاجتماعية إن كانت اللغة تشكل حاجزاً؟ لا أستطيع سوى محاولة المساعدة هنا ولكن ما يقلقني حقاً هو ما بعد المدرسة".

هذه المشكلات طرحناها على بعض المثقفين المسلمين الذين يندرجون تحت صفة "التنويريين" أو "الإصلاحيين"، لكن ردودهم لم تكن أفضل مما سبق وتم وصفه من حال بعض العرب والمسلمين. فمشكلة "التنويريين" و"الإصلاحيين" أنهم يعومون في فراغ العموميات حتى يصلوا إلى "الاطمئنان الأيديولوجي". أي الإيمان من أجل الإيمان فحسب – وهكذا يتحول عمل هؤلاء إلى ترسيخ الموروثات والعصبيات بدلاً من إصلاحها. فكل ما يفعلونه اختيار ما يناسبهم ورفض الباقي وإطلاق مصطلحات وأحكام نقدية عامة لا تلامس التفاصيل.

أمام هذا الواقع، أبعد المعتدلون والمندمجون في بيئة الحياة الكندية أنفسهم عن هذا المحيط بكل تفاصيله. وسبق ذلك محاولات لبعضهم لتحسين وتزيين ما يمكن فقوبلوا بالرفض و"التكفير"، ما أسفر عن ابتعاد الكثيرين وعائلاتهم من هذه الفئة عن المساجد والمراكز وحتى العلاقات الاجتماعية مع أبناء دينهم وبلدهم.

كل هذا يدّل على أن التواجد في مجتمع متحضّر لا يصنع إنساناً متحضّراً ما لم تكن أسس القِيَم والأفكار الحديثة نابعة من القناعات والجوهر الثقافي لهذا الإنسان. ما لم يكن الإنسان حاضراً للتغيير أولاً. فمكوّن الإنسان الثقافي هو ما يسمح له بالاندماج والتسامح والتعايش أو حتى التفرّد خارج النظم المألوفة. انتقل الكثير من قيود بلدانهم الأمّ إلى بلدان أخرى ليحصلوا على حياة كريمة، لكن أكثرهم حملوا معهم الموروث بكل صراعاته. فما ذنب الأماكن؟

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً