خلف جابر

كاتب وصحافي من مصر

من «عزازيل» إلى «أحزان الشماس».. كيف حاول الروائيون الدخول إلى الكنيسة؟

من «عزازيل» إلى «أحزان الشماس».. كيف حاول الروائيون الدخول إلى الكنيسة؟

في آب/أغسطس 2018، عندما نُشِرَ خبر مقتل الأنبا «إبيفانيوس» أسقف ورئيس دير أبومقار بوادي النطرون في مصر، ثار جدل كبير وتكهّنات، حول كونه حادثاً إرهابياً أو محاولة سرقة تعرّض لها الدير. لكن  التحريات أسفرت عن تورّط الراهِب أشعياء المقاري وصديقه فلتاؤس في قتله بعصا حديدية.
كان خبر تورّط الراهبين في مقتل الأنبا «إبيفانيوس» صادِماً للبعض، حتى أن والدة أشعياء المقاري صرّحت للصحف قائلة: "إبني "ملاك" رفض الوظيفة وباع الدنيا.. ولا يمكن أن يقتل." وما أضفى للحادث بُعداً درامياً آخر؛ هو محاولة الراهب فلتاؤس المقاري، الانتحار بقطع شريانه، ثم إلقاء نفسه من أعلى مبنى تابع للدير، وذلك أثناء التحقيقات في مقتل الأنبا.
أدين أشعياء المقاري، وفي 23 شباط/فبراير 2019 جاء الحكم من محكمة جنايات دمنهور "الدائرة الثانية"، بإرسال أوراقه إلى مفتي الديار المصرية، تبع ذلك محاولة البعض البحث في تفاصيل عالم الرهبان، ذلك العالم المُغلَق على أهله، والذي لم يعرف عنه المصريون «المسلمون» غير ما يُشاع عنه من أساطير تتعلّق بعالم السحر، والطقوس و"الحفلات الخاصة". حيث ظهر الكثير من الكتب التي تتطرّق لحياة الرهبان، إلا أن العديد من الروائيين كانوا قد سبقوا هؤلاء في محاولة النبش في هذا العالم، وذلك من خلال أعمالهم الإبداعية.


الرهبان عند سعيد نوح ليسوا ملائكة

لم يعلم «جرجس» إبن الحادية عشر ربيعاً، أنه بذهابه مع والده إلى الدير ليفي بنذر كان عليه، لن يعود كما قبله. إذ تعلّق بأغنية «الأمّ الحنون» لدى سماعه لها من الشمامسة والرهبان، بعدما تخطّت حاجز الأذنين لتسكن القلب. ويدرك هذا الصبي الكفيف أن نوره بين جدران الدير، مُتمنياً الانضمام إليه، حيث يكون له ما أراد، ويصبح «جرجس» شمّاساً صغيراً فى عهدة أب الدير، لتتحقّق نبوءة «الأب بشاي» الذي حلم ذات يوم بتربيته لشمّاس ضرير.
ذلك هو مُستَهل رواية «أحزان الشماس» لسعيد نوح، وأحدى أشهر الروايات التي تعرّضت لعالم الرهبان، فيؤكّد فيها على أن الحياة ليست جنّة، والرهبان ليسوا ملائكتها، فكان طبيعياً بعد أن لمس الجميع بركات «جرجس»- بطل روايته، ووفرة الخير على يديه، حتى صار شمّاساً أول للدير، أن يظهر «متى» وجه الشر.
يضرم الحقد ناره في قلب "متى" فيُحيك المكائِد للشمّاس الضرير المحبوب من الجميع، الأمر الذي يدفع الأب بشاي إلى أن يأمر بإبعاده عن تلقّي الاعترافات، ليس ذلك فحسب؛ بل يرسله إلى الجبل ليتطهّر، وهناك يبدأ «متى» في التودّد إلى «جرجس» وفي مساعدة خبيثة يعينه في الزواج من «تريزا» تلك الفتاة المُصابة بفوبيا الخوف، والتي يُرزَق منها بطفلٍ سمّاه «مينا».
لم يبك «مينا» عند تعميده، ليعلن الأب «بشاي» بأنه الطفل الذي أوصى به المسيح، ويأخذه إلى ملكوته، فيظل «جرجس» ينأى بنفسه عن الصغير، مخافة أن يتعلّق به، إلا أنه ومع مرور الأيام يرى طفلاً آخر لا يبكي عند تعميده، ويعلن الأب بشاي، أنه أيضاً مَن بشّر به المسيح، ليعلم «جرجس» وقتها أن هناك الكثير لا يبكون أثناء التعميد، فيعود لسابق حياته الطبيعة.
ولما كان سعيد نوح يبحث في الديانة المسيحية عن معادل موضوعي لشخصية «سعاد» بطلة روايته الأولى والأشهر «كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد» والصادرة عام 1992، وهي إبنة الموت في الوقت الخطأ، حسبما يقول «نوح» في حوار له، راح يكتب موت «مينا» وهو إبن الثامنة عشرة عاماً، فلم يجد «جرجس» أمامه غير الموت، ليموت بعد موت إبنه بتسع عشرة ليلة، وحينها يعتزل الأب «بشاي» الخدمة، ويتولّى الدير الأب «متى» ويعود صديقه وأخوه في الدير الأب صموئيل إلى الحياة مرة أخرى، ويترك عالم الرهبنة ويتزوّج من حبيبته التي دخل الدير من أجلها.


عزازيل.. تعرية الرهبان ونزوعهم للخطيئة

هيبا، الراهب الطيب، الطبيب والشاعر، الذي كتب 31 رقاً شاعرياً في الكنيسة واللاهوت وغيرها. خرج من أخميم في جنوب مصر إلى الإسكندرية وارتحل مرة أخرى حتى الدير الذي سكنه وكان له رفيق هو عزازيل.

لم يأت يوسف زيدان في روايته «عزازيل» بالراهب كأنه المنزّه والبعيد عن الخطيئة، لكنه عامله كإنسانٍ حقيقي لا يعوزه التفكير المجرّد في الجسد كأيّ إنسان آخر، لا يعوزه التفكير في المحبّة كأيّ بشري أو حتى راهب، وكانت «مرتا»، البنت التي قدت من جمال، والتي نبشت أرض هيبا ودعمها عزازيل فراحت تتراءى أمامه بتوهّج غير عادي.

تكثر النساء في رواية «عزازيل» زيدان، ويتنوعّن ما بين الغواية مثل المرأة الاسكندرية الوثنية «أوكتافيا» التي أحبته ثم طردته لما عرفت أنه راهب مسيحي.

هيباتيا التي ماتت بتحريض من بابا الإسكندرية ببشاعة على يد مسيحييها، ومرتا التي أحبها ومن أجلها قرّر الرحيل من الدير بالتحرّر من المخاوف ومن دون أن يفصح عن وجهته القادمة بعد أن أتم رقوقه وحبسها في صندوقها من أجل مترجم قادم.

كانت مرتا تسكن الكوخ المُقارِب للدير، وتترنّم، وترنيماتها جعلته ينظر إلى المرآة كأن المرأة هي الدليل الوحيد الذي من أجله تحافظ على مرورك الطبيعي في هذا التيار، يقول زيدان: "وأنا لا خبرة لي بارتياد بلاد العشق.. اعتصرني اشتياق.. فتدحرج قلبي نحوها.. التقت عينانا في عناق حار، غبت عن كل ما حولي.. وأظنها أيضاً.. التحام النظرات الولهى.. ولدت الخطيئة.. مرتا الجميلة.. غوايات وعذابات وما كان من أمر عزازيل المراوغ اللعين".

كانت «مرتا» في «عزازيل» -الرواية الفائزة بجائزة بوكر العربية سنة 2009، كما حصلت على جائزة "أنوبى" البريطانية لأفضل رواية مُترجَمة إلى اللغة الإنكليزية سنة 2012- عنواناً للخطيئة كأنها تؤكّد أنه ليس هناك أحد منزَّه، ولكن هناك البعيد عن الغواية، وكانت الدليل الحقيقي والدامِغ على بشرية هيبا، الراهب هيبا.

تلك الكتابة أغضبت بعض مسيحيي مصر، حتى أن منهم مَن طالب باتخاذ إجراء رسمي ضد يوسف زيدان، باعتبار «عزازيل» تهين المسيحية، بينما اتجه البعض إلى الكتابة رداً على ذلك العمل، وكان منهم كتاب «الرد على البهتان في رواية يوسف زيدان» للأنبا بيشوي.

أيضاً كان هناك من انحاز للعمل الإبداعي ولرؤية «زيدان» وكان منهم المطران يوحنا جريجوريوس، الذي قال إن "يوسف زيدان هو أول روائي مسلم يكتب عن اللاهوت المسيحي بشكلٍ روائي عميق.. وهو أول مسلم يحاول أن يعطي حلولاً لمشكلات كنسية كبرى".


منافي الرب.. الخلود لا يكون للرهبان

«يحيون بقلوب مقفلة، يؤلهون تقاليدهم ويحطمون الجمال، يخترعون قِيَماً قاسية كأنهم يحبون تعذيب أنفسهم، ما أردت من الإنسان تقديس ما يفقده بهجته، الأب الذي أرسلني قال لي هذا، وقال إن مسرته في أن يصير الإنسان ربّاً لا عبداً".

هكذا وصف أشرف الخمايسي حياة الرهبان في روايته «منافي الرب»، التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر، وكأنه يؤكّد أن الراهب هو شخص يبتعد عن الرؤية وعن الزواج وعن الحياة، بينما الراهب الجيّد هو القادر على الحفاظ على نفسه وسط كل هذه المِتَع، وهو القادر على ضبط نفسه في خضمّ الصراعات والظروف القهرية.

«حجيزي» بطل الرواية كان يظن ذلك، كان يظن أن رحلته في البحث عن الخلود ستقوده لأن يتنصّر ويتبع الرهبان لكي يخلد ويعيش، لكنه فوجئ بالمسيح ليقول له إنهم لا يملكون عقلاً. سمع حجيزي أن المسيح بعد أن قتل ترك قبره وطار إلى السماء. إذن فحصول المسيح على الخلود كان وازِعاً حقيقياً له لأن يطوي المسافات بحثاً عن وجوده الدائم، لكن الرهبان لم يجدهم كذلك، وجدهم خاطئين في وجهة نظره، كيف يمكن أن يسكن الإنسان الجبال ويبتعد عن الله بغرض الاقتراب منه، وكيف كان العالم ليكون مستمراً وديمومياً لو تجرّد الناس كلهم من الأنثى، وكيف يكون المسيح مُحرّضاً على الأفعال الطيّبة للناس ويبتعد أتباعه عن الناس؟
كانت الأسئلة تشكل وجوداً حيوياً وحائراً لحجيزي، ذلك الطيّب الذي ترك المسلّمات وقاد نفسه لاكتشاف الحقائق، وعرف أن الرهبان حين أمرهم المسيح بقتل أنفسهم، أنهم منعوا وجودهم لأجل وجود الغير في صورة مُغايرة لهم، هكذا كانت رؤية حجيزي، وهكذا ابتعد عن عالمهم بحثاً عن خلوده في مكانٍ آخر.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً