حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

جدتي التي هزّت السرير بيمينها ووضّبت الرصاص بيسارها

قسّمت جدتي أيامها بين رِفقة زوجها ومشاركته فعل المقاومة وبين رعاية أولادها. كانت أمَّاً ومناضلة يعبق إسمها في منطقة صور كالحبق المُبتلّ بندى الصباح.

قد تكون قصصها مُتشابِهة مع قصص نساء مُناضلات وأمَّهات كرّسن حياتهنّ لأجل عائلاتهنّ وتساوين في طريقي التربية والمقاومة، لكنها بالنسبة لي النموذج الذي أقتدي به وأذكره كمثال لتلك النسوة. هذا النص هو تحيّة لجدّتي الراحِلة والأمّ والمناضلة أمّ ظافر (نازك عز الدين) المولودة عام 1935 في كفرا جنوب لبنان، زوجة المناضل ورئيس اتحاد بلديات صور الراحل السيّد عبد المحسن الحسيني.

***

منذ نعومة أظافري، كنت في كَنَف جدّي وجدّتي. كنا مُتلازمين، لزوم الأهل لأولادهم ولزوم الرفاق في "العصرونيات" وسهرات السَمر. أذكر مرّة حين كنت صغيراً، وضعتني جدّتي تحت الماء الساخِن لتحمّمني، يداها الناعمتان كانتا أُنسي في لحظات ينصبّ عليّ ما لا أقوى عن دفعه. أرادت تنشيف جسدي، فلفّتني بمنشفتين، فمازحني خالي حينها قائلاً: "ما هذه التنورة التي ترتديها كالفتيات؟!" فأردفت جدّتي إنها كثياب الحجيج، "إن شاء الله تحجّ يا بني".

ظلّت هذه اللحظة عالِقة في بالي، كيف أن الأحفاد دائماً في عيون الجدّات حلم أبيض وبريء ويرقات تتفتّح بتجدّد واستمرار. يكرّسن حياتهنّ لرعايتهم ووهبهم كل ما خبرته في سنوات عُمرهنّ الماضية، كقُربان حبّ لا نهائي، ليحلّقوا كفراشات حول الشمس بعيداً عن الظلال السوداء والعوالم المُقفرة والمرارة التي ذقن منها فأرهقت قلوبهنّ. فأردن لنا أفضل مما عشن. جدّتي، أو كما أناديها أنا "تيتا"، هي الملاذ والعرين، فإذا "تشيطنت" أحتمي بحضنها، فأعرف أن حكمها سيميل لصالحي، فالجدّات نبع يصبّ إلى سواقي الأمَّهات. وإذا حزنت أو شعرت بسوء فهي تعرف من غير أن أقول شيئاً فتخفّف همّي بلمستها الرؤوفة.

ذات يوم كنا نلعب أنا وصبيّ تربطني به قرابة عائلية وجيرة وصداقة جميلة، كانت اللعبة عبارة عن لوح خشبي صغير، كنا نمتطيه على أنه حصان، وأنطلق على صهوة جوادي في صحراء مُخيّلتي، إلى أن تماديت مرّة في الحلم ووقعت  أرضاً فتأذّى رأسي. تبيّن أن الجرح يحتاج إلى قُطَب. حينها شعرت بلذّة الصُراخ وملء الدنيا بالصخب، ولكن أذكر حين اقتربتُ من جدّتي ونامت بجانبي، أحسست بزوال كل الألم، ولم أستفق إلا عند الصباح بعد أن كانت نهضت جدّتي لتحضير الغذاء. أذكر تلك الليلة جيداً، كنت في الخامسة من عمري، جلست جدّتي بقربي وسحبت مني كل الوجع، كما تفعل عند الفجر في سحب خيوط الضوء من الشمس ليطلع الصبح على مَن تحب.

كبرتُ ورافقني حبّها واهتمامها، فلم يكن يُفترش هذا الحب كما كان يحدث على مائدة الفطور والغداء وفي أوقات شرب الشاي. كان لدى جدّتي أمّ ظافر غزارة قصص وأخبار، أدمنتُ سماعها وطريقتها في رواية الحكايات. فتارة تحدّثني عن أيام الريف وقريتها كفرا في جنوب لبنان، وعن أبيها الشيخ عبدالله، كيف كان رجلًا قوياً يمتطي فرسه ويحمل عصاه ويعمل في الأرض مع الثوار في ذاك الزمن. تُخبرني عن حياة القرية، وكيف كان الناس يزرعون القمح ويتداورون على "تشميسه" على سطح مَن لديه منزل بطوابق أعلى. وتارة تُخبرني عن حياتها، كيف ربّت سبعة أولاد في أوقاتٍ عصيبة، بين ويلات الحرب الأهلية اللبنانية، والاجتياح الإسرائيلي للجنوب وبين أيام الغُربة، وكيف كانت مُرافقة لجدّي في عمله فيستشيرها في أموره ويثق برأيها وقولها. حتى أنها أخبرتني كيف حصلت على لقب "أمّ ظافر"، فقالت إنهم واجهوا مشكلة يوماً في الغُربة بين الجدّ وأقاربه حول أمور التجارة والبيع، واجتمعت العائلة في البيت، فاقترحت جدّتي بعض الحلول، فأعجب الجميع برأيها وقالوا فعلاً أنك أمّ ظافر، "لقد ظفرتي بقلوب الجميع!".

***

تنقّلت بين بلدها لبنان وأوطان الغربة حيث كان يقطن أبناؤها، فتهرع إلى كل ولد حين يعييه التعب أو المرض، كما تفعل اليمامة في توزيع رزقها بالتساوي على أولادها. فمعونة الأمّ رزق. حتى أخذتها حياتها بين قصص أولادها ومُعاناة الاجتياح الإسرائيلي والقصف والدمار، وقلقها على جدّي ومساعدتها له عندما كان ينقل العتاد والسلاح للمُجاهدين في سيارته، ومرافقتها له كل صباح إلى الباب لتدعو له قبل أن يجتاز عتبة البيت. حينها كان جدّي يعمل في الميدان وهي خلف الكواليس، فاستطاعت أن تكون الرفيقة في الخندق والأمّ في البيت.

الجدّة التي لازَمَت زوجها في أكثر الأوقات شدّة، بعدما كان الجدّ مقاوِماً متوارِياً يساعد ويمدّ المقاومين بالمال والسلاح والثياب أيضاً أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، فكانت ترافقه في أغلب الأوقات حتى لا يتعرَّض الإسرائيليون له ويحتجزونه. حتى أنها كانت تشارك في ترتيب وتوضيب الرصاص الذي ينوي الجدّ إيصاله للمقاومين في بيروت. تفعل ذلك بسعادة عارِمة مثلما تشكّ الزَهر بعناية في شعر طفلتها الصغيرة. حتى في أيام "القبضة الحديدية" عام 1985 حين استخدمت قوات الاحتلال مئات الدبابات والآليات المُدرّعة وعشرات الجنود، ضد قرى المواجهة السبع في منطقة صور جنوب لبنان، فكانت ترافق زوجها في الطرقات الفرعية والمقطوعة وفي الوديان حتى تُبِعد كل الشُبهات عنه.

كانت تقسّم أيامها بين رِفقة زوجها ومشاركته فعل المقاومة ضد العدو الإسرائيلي وبين أولادها والاهتمام بهم ورعايتهم. كانت أمَّاً ومناضلة يعبق إسمها في منطقة صور كالحبق المُبتلّ بندى الصباح. 

كنت أنادي أمَّي فتجيب جدّتي دائماً، كأنني ولِدتُ من رحمين لا من رحم أمِّي فحسب، فللجدّات نصيب من ولادتنا أيضاً. أنادي أمِّي فتجيبني جدّتي وتعرض المساعدة. وكانت تحرص أن تحضّر الطعام اللذيذ الذي نحبه. فأذكر مرة عندما طهَت لنا اللوبيا بالزيت، التهمنا أنا وإبن خالتي الطبق بأكمله قبل أن ينزل على مائدة الغداء، فسُرَّت جدّتي كثيراً. أما ما كنا نسمّيه بـ"طبق الجنّة"، فكان الكبّة باللبن، كانت تصنع جدَّتي الكبّة المحشورة باللبن المثلّج وتوزّعها على أطباق عدّة، فلا يبقى منها لقمة واحدة. وكانت كلما عاد أحد من أفراد العائلة من السفر تعدّها له، حتى أنها علّمتني كيف أطهوها قبل أن أهمّ للسفر بقصد الدراسة، كما وعلّمتني طبخ البرغل، خصوصاً "بقلة البندورة". تفعل كذلك كأنها تريد أن أحمل معي بيتها ورائحتها وخيرات أرضها حيثما خرجت وتغرّبت.

***

كان الوداع يكون صعباً في كل مرّة، خاصةً إن لم تكن تعرف أنه الأخير. في المرة الأخيرة التي التقيت فيها بجدَّتي قبل وفاتها بعدّة أشهر آلمني ما رأيت، وتسمّرت في مكاني. مشهد يؤلِم الوجدان قبل القلب، أن ترى من اعتنوا بك طيلة طفولتك هم في حاجة الآن لمَن يعتني بهم لأقل الأمور وأبسطها. كم هو مؤلِم وصعب أن تراها وأنت طفل جدّتك المُدلّل، شاحِبة، مُصفرّة الوجه، ترفض الطعام، وبالكاد تتناول الدواء، لا تستطيع فعل شيء سوى الدُعاء. لا أدري ما سرّ هذه الدنيا، حين يعجز المرء عن نفسه، إلى مَن يلجأ؟ الله ملجأه يريد الوصل به ولكن فصل الوصل مع الأحباء صعب. كفكّ رباط أعدّه صديقان في صباهما وتعاهدا على الحفاظ عليه إلى الأبد. لربما من الصعب أن نقبل بالنهايات إذ بدأنا ندركها. أو من الصعب أن ندرك أن مَن غدوا يوماً أبطال أيامنا عليهم أن يتقاعدوا ويمضوا.  

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]