نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

زرقة حلم بيروتي مُكتئب في معرض أسامة بعلبكي

أسامة بعلبكي، التشكيلي الساكِن بيروت، والساكِنة فيه، اختار باقة من محاسِنها ومواجِعها وحوَّلها لوحات مائية.

إنها بيروت من جديد، العاصمة العالِقة كل الأذهان بها، والقلوب بعشقها، في مُراهقتها، وصباها، وتألّقها، وفي نضوجها، وكهولتها، بكل التجاويف والتجاريح المُلمّة بها. تُلقي بظلالها على أذهان عشّاقها ما لا يمكن التفلّت منه. الكل مأسور بها كيفما اتّجهت، والقافلة طويلة، ينضمّ إليها أسامة بعلبكي حامِلاً تحوّلاتها، من الحلم إلى الواقع، مُتراوحة بين الجمال، والقُبح في حالٍ تناقُضية يبلور كل ضدّ فيها حُسن الضدّ.

أسامة بعلبكي الفنان التشكيلي الساكِن بيروت، والساكِنة فيه، اختار باقة من محاسِنها، ومواجِعها، وآهاتها، وحوَّلها لوحات مائية عُرِضَت في غاليري "أجيال" في شارع عزالدين بين الحمراء والجامعة الأميركية في بيروت.

لوحات بعلبكي البيروتية تشهد على ما اكتنزته المدينة من جمال، ومشاهِد مُعتادة، وفي الوقت عينه على ما أصابها عبر تاريخها الحافِل من تغيّرات مسارها الناهِض نحو انعطافاتٍ طارئة، لم تخترها، ولم يخترها لها أحد، وفُرِضَت عليها فرضاً واغتصاباً، فجاءت اللوحات لتعبِّر عن المشاهِد البيروتية، وما يُرى منها، في حالات السعادة، والوَجد في آن. صبية مُتألّقة لا تنال من جمالها تجاعيد، وواثقة تختال بالأزرق الجامِع للحلم بأسى اللحظة.

أكثر من خمسة عشر لوحة بين الصغير والمتوسّط، انتشرت في صالة "أجيال" وواجهته، مُخلّفة مناخاتٍ من الوجوم، والكآبة الشتوية على مشاهِد مُحبَّبة لكل مَن أحب بيروت، وعاش ديناميّاتها، شاء بعلبكي أن يختار عناصرها شتوية الطابع، على برودةٍ طاغيةٍ بزرقتها. لا يمكن للخيار أن يكون عفوياً، لكنه تعبير عن أصداء تتصارع في مُخيِّلة الفنان، تشي بحزنٍ ما، متوأم مع تشوّهاتٍ واضحةِ البصمات هنا وهناك.

ليس في المدينة، بشوارعها، وأبنيتها، ما يجعل الريشة تمضي باتجاهٍ مُستقيم، فكل ما فيها خطوط مُضطرِبة، غير واضِحة المسار، وجُدران مائِلة، وجذوع أشجار مُتألّمة، في أجواءٍ قاتمةٍ تنكسر بالقليل من النور، وعَبَق السماء يطغى بغيومه المُتماوِجة، والمُتداخِلة مُنذِرة بما لا يبعث على الارتياح، وترخي ثلوج الجبال، التي تُضفي على اللوحات بعض إنارة، مزيداً من البرودة، والحزن، والاكتئاب.   

المَشاهِد بيروتية الهوية، غير خافية على أحد: الروشة، وبعض من مقاهيها، أبنية تعلوها الرافِعات التي لا تنفكّ تعبث بتُراثها الجميل، فارِضة كتلاُ مُتشاهِقة من الأبنية الجامِدة، تذوي على جنباتها النوافذ والقراميد الدافئة، المنارة الجميلة المُحبَّبة على قلوب المشّائين على الكورنيش، لكن كل ما حولها صاخِب، بيوت تراثية تطلّ بخَفرٍ خلف أشجار بلا ظِلال، وبعض سيارات تشي بتعطّل ما عن الحركة، تأخذ الذاكرة إلى تآكلين: تآكل الزمن والتقادُم، وتآكل الطارئات من تفجّر واستهداف.

لوحات بعلبكي شكوى ما، بطريقةٍ خاصةٍ، واعتراضٍ كامنٍ على ما آل إليه الكثير من الحالات البيروتية، وانطباعية ببصماتٍ خاصة، وضربات ريشة لامُبالية، على شيءٍ من الرمزيّة، تتأرجَح بين الحنين، والتَوْق إلى تجليّاته.

بعلبكي (1978) فنان بيروتي مُتخرِّج من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية 2002، وفي مسيرةٍ فنيةٍ سريعةٍ أقام العديد من المعارض عابِراً صالات العاصمة، من دار الندوة، إلى تانيت، وأجيال، وسافانا، وصالح بركات، وفي 2009، حاز الجائزة الفضية للرسم في "Jeux de la “Phrancophonie، كما شارك بمروحةٍ واسعةٍ من المعارض في متحف سرسق، ومعارض دبي، وأبو ظبي، وميونيخ، وميامي، ونيويورك، وواشنطن ولندن، وسواها من مدن.

المعرض يستمر حتى 20 تموز/يوليو 2019. 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً