أيوب قراو

كاتب من المغرب

حمل ثقيل

مات معذباً وضاعت أحلامه وحياته بين سفح الجبل وقمّته.

سيزيف شاب في مُقتبل العُمر يبلغ 17 عاماً، يسكن قرية غير بعيدة عن المدينة. يدرس في الثانوي. مهذّب و جادّ في دراسته بشهادةٍ من أساتذته. يقضي أسبوعه في دار الطالب وعشيّة السبت يروح للقرية تاركاً صخب المدينة وضجيجها، يقضي فيها الأحد ويوم الإثنين يعود للدراسة. هو الإبن الثاني، أخوه البكر انقطع عن الدراسة ليعين أباه في الأعمال التي يقوم بها، فعادة ما يكون الإبن الأكبر الركيزة الأساسية في مساعدة الآباء، استجابة لظروف الحياة القاسية.
حصل سيزيف على شهادة الباكالوريا التي لطالما اعتُبِرت عائقاً كبيراً لأبناء قريته، فبدأ حلمه وحلم أسرته يكبر لاقترابه من الهدف.
قضى سيزيف عطلته في العمل مع أبيه وأخيه. فالبسطاء والقاطنون البوادي لا يعرفون من العطل غير إسمها، بل كثيرون ممَن يسكنون الحواضر يتّجهون صوب القرى لقضاء العُطل عند أهاليهم لتجنّب أعبائها المادية، لكنهم في المقابل يشكّلون عبئاً ثقيلاً على الأسر البسيطة خاصة حينما تتجاوز الضيافة ثلاثة أيام إلى أسابيع، بل أحيانا تصل إلى الشهور في العطل الصيفية.
عقل سيزيف لا يتوقف عن التفكير، فهو في حيرة و تردّد، فكثيراً ما فكّر في ما بعد الشهادة، أيّ طريق سيسلك! ظنّ أنه ستُفتح في وجهه أبواب كثيرة، لكن هذا لا يضحى أن يكون مجرّد وَهْم وأضغاث أحلام، فالواقع شيء آخر، شيء صعب خاصة على أمثاله الذين كانت لهم رؤية ورديّة للواقع.
اقترب الموسم الدراسي الجديد، فحاول البحث عن المدارس العُليا للتسجيل فيها،...لكن كل محاولاته باءت بالفشل، وصفدت في وجهه الأبواب فالتجأ إلى الخيار الوحيد الذي لا مناص منه، وهو الجامعة، فقام بالتسجيل فيها وهو على أتمّ الاستعداد لبداية موسم دراسي جامعي أول.
فالجامعة محطّة رئيسة في حياة الفرد تعلّمك أشياء عديدة، تجعلك تفكّر تعتمد على نفسك، تنتقد، تقرأ من زوايا مختلفة، فضلاً عن قِيَم تمرّرها من دون الشعور بها كالصبر، والأخوّة والصداقة.
فالكل يكون غريباً و بالتالي تطيق العيش مع الغرباء الذين سيصبحون ذات زمن أصدقاء يصعب نسيانهم. صديقنا سيزيف كان غريباً في مكان كل شيء فيه غريب؛ المواد المُدرّسة، الطلبة، الأساتذة، الفضاء، حتى الزمان أصبح غريباً. اكترى غرفة صغيرة مع طلبة لا يعرفهم، بل الزمان هو مَن دبَّر لهم اللقاء وجمعتهم الجامعة. 
البسطاء يعيشون مرارة الحياة القاسية لا يتذكّرهم أحد، كأنهم في بلد آخر خارج البلد. موعد واحد يعقد كل خمس أو ست سنوات تقام فيه الحفلات وتوزّع فيه الهدايا وتُقال فيه الوعود وبعدها يفرنقع الجمع، وينسون إلى موعد السنون الآتية، هذه حالهم تعودوا عليها منذ زمن، فالمعجزة التي ينتظرونها لم تقع بعد!
مع بداية اقتراب الدراسة، جمع وحمل سيزيف أغراضه وودَّع أسرته وقريته واتّجه صوب المأوى الجديد، هو عبارة عن أربعة جدران وسقف يقتسمه وطلبة مثله كل واحد أتى من فجّ عميق، فبدأ التعارف بينهم ولحُسن الأقدار أنهم اختاروا نفس المسلك، فصوّروا لأنفسهم هدفاً سيأتي بعد ثلاث سنوات.

بدأ الموسم الجامعي الجديد وسيزيف كله أمل في المستقبل، كان أول مرة يدخل فيها إلى المدرج وهو الذي اعتاد الدراسة في القاعات، ذُهِلَ بما رآه، كراسٍ كثيرة وطلبة يدخلون زُرافات حتى امتلأت كلها. لم يبق أيّ كرسي فارغاً، تعالت أصوات الطلبة، بين الحديث الثنائي والقهقهات، فجأة سكت الجميع، لقد دخل الأستاذ، رحَّب بهم  وحثّهم على الجدّ والاجتهاد، ثم بدأ في إلقاء المحاضرة التي دامت ساعتين من الزمن.          

انتهى الدرس وخرج الطلبة ومعهم سيزيف وقد تملّكه شعور غريب، ثم بدأ في اكتشاف مرافق الجامعة  حتى أنه تاه في أرجائها، ولولا السؤال لما وجد البوابة.

استمرت حياة سيزيف في الذهاب والإياب من وإلى الجامعة، اجتاز الامتحانات بنجاح واستوفى جميع المواد، هو الآن بصَدَد إنجاز بحث التخرّج لنَيْل شهادة الإجازة، عمل فوق طاقته يبحث وينقّب، سهر الليالي، فهو لا يفكّر في ذاته، بل يفكّر في أسرته التي تركها في البادية تنتظر نجاحه وعمله.

أنجز بحثاً محكماً بشهادة أستاذه، حصل على الشهادة وفرح فرحاً شديداً، لكن فرحته لم تكتمل لأن أصدقاءه سيضيفون سنة أخرى بسبب عدم نجاحهم. هم الذين تقاسموا كل شيء، الفرح والقرح، الجوع والحرمان... في سبيل الدراسة.

ودّع سيزيف أصدقاءه في حزنٍ شديدٍ فقد تعوّد عليهم ثلاث سنوات، هو الذي شاركهم الطعام، وازدحام الغرفة، شاركهم البؤس ونوائب الدهر.

جمع أغراضه مرة ثانية وعاد إلى منزل أبيه في  القرية، حيث الهدوء والسكينة، الهواء النقي وصفاء الطبيعة، جداول الماء وبياض القمم، لا مكان للتصنّع والتكلّف. رحبّت به أسرته وفرحت به كثيرا فقد رفع شأنها، فهو الوحيد الذي حصل على الإجازة من أبناء القرية منذ زمن طويل، أما الآن فالأبناء لا يكملون دراستهم بسبب غلاء المعيشة وقِصْر يد أسرهم.

إنها العطلة الآن، لكن لا مكان للعطالة عند سيزيف، لا مكان للفراغ، فقد عاد إلى مساعدة أبيه وإخوانه في الأشغال حتى أشرفت العطلة على الانتهاء وانشغل تفكيره من جديد، هل يكمل دراسته! أم سيبحث عن عمل!

لقد قرّر سيزيف في الأخير البحث عن عمل يناسب مستواه العلمي، فإتمام الدراسة لم يكن متاحاً له، فذاك يحتاج إلى مصاريف كثيرة خاصة وأن الأفق صار يبدو له مسدوداً. بدأ مسيرة جديدة في البحث عن العمل، المسكين!! لقد دخل إلى نفق مجهول بابه، لم يكن يعلم ذلك. اجتاز مجموعة من المباريات لكنها كلّلت كلها بالفشل!

بدأ الإحباط يدبّ إليه، واليأس يتخلّل إلى جَوَّانِيَته، فهو لا يرغب في الرجوع إلى العمل مع أبيه، لو أراد العمل معه لفعل ذلك منذ زمن، لكنه أراد أن يبني نفسه، أن يبتعد عن الأعمال الرتيبة، لم يكن يريد الخمول الذهني. لقد أفنى سنواته في دراسة لم تفده في الحصول على عمل، لم تفده في إسعاد أسرته.. حزن لحاله حزناً شديداً، فبعد أن أصبح كل شيء صار لا شيء، لكن البكاء على الرسوم والأطلال لا يُجدي نفعاً.

لقد أصبح سيزيف الآن في عداد المُعذّبين، صار الآن من بين آلاف العاطلين من حملة الشهادات العليا.. لقد قيل له أن تلك "الكرتونة" التي حصلت عليها لا تتلاءم ومتطلبات سوق الشغل، كاد أن يفقد عقله، الآن تقولونها؟ لماذا لم تفصحوا عنها قبل أن أدخل الجامعة؟ ولماذا أصلاً جعلتم هذه الشهادات تُعطى إن لم تكن لها فائدة؟ لماذا؟ بكى كثيراً حتى سقى الأرض بدموعه، وصار يردّد أغلقوها، أغلقوها!

أصيب سيزيف باكتئابٍ حادٍ، فَقَدَ على إثره شهيّة الأكل، أصبح نحيفاً وصار منطوياً لا يحب رؤية أحد، إنه الآن يكره البشر فقد اعتبرهم سبب الآلام والمشاكل كلها، إنهم مصدر الشر.

نام ذات ليلة وحلم أنه صعد إلى جبل عالٍ، فرأى شيئاً غريباً، وفجأة ناداه شخص من أعلى الجبل أنِ احمل تلك الصخرة إلى القمة تجد عملاً.. استفاق من نومه مذعوراً، قرأ المعوذتين، ولما زالت الدجنة قرّر في الصباح الذهاب إلى ذلك الجبل، وما أن بلغ سفحه حتى ظهرت له صخرة كبيرة، إنها ليست ككل الصخور، حملها وبدأ في عروج الجبل، وما أن كاد يبلغ القمّة حتى هوت إلى السفح، فنزل مرة ثانية وحملها ولما اقترب من القمّة سقطت الصخرة وهوت إلى السفح، فشكّك في تلك الصخرة وفي ذاك الجبل الذي رآه في المنام، فخاطب نفسه قائلاً: لن أبرح هذا المكان حتى أجعل الصخرة في قمّة الجبل، فصار يرفعها وتهوي مرات عديدة، جنّ المسكين وبقي على تلك الحال، ومات معذباً فضاعت أحلامه وحياته بين سفح الجبل وقمّته.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]                     


إقرأ أيضا