رنا زيدان

كاتبة فلسطينية مقيمة في لبنان

جياكوميتي الذي جسّد مأساة وجودنا الإنساني

جسّد مأساة وجودنا ... من هو ألبرتو جياكوميتي؟

أجسادٌ هزيلةٌ نحيلةٌ، شخوصٌ أنهكتها المشقات، تماثيل مشدودة كخيطٍ رفيعٍ يكاد ينقطع، رؤوس حائِرة وعيون تحمل من المُعاناة والأسى الكثير وسط فراغٍ شاسِعٍ. هكذا تبدو تشيكلات النحَّات السويسري ألبرتو جياكوميتي، الذي كرَّسَ حياته ينحت مُجسَّمات للإنسان المُعاصِر المُتعَب مُعبِّراً من خلالها عن أزمته الوجودية. منحوتات تُحاكي أكثر الأماكن هَشاشة وضعفاً في نفوسنا، فور وقوع نظرك عليها تسأل نفسك في ذهول "أهذا أنا؟"

عاش جياكوميتي وسط فوضاه في مشغله الخاص، الذي وصفه صديقه جان جينيه بأنه "مستنقع جصّي ومزبلة خفيفة وخندق حقيقي"، الجصّ الأبيض مُنتشِر في المكان، على أرضيّته وجُدرانه، بل وحتى شَعر وملابِس النحَّات. الأستوديو كان أَشبه بـــ"مُستنقع حليب" وصاحبه يبدو غارِقاً فيه ومنحوتاته مُترامية في كل زاوية. هذه الفوضى التي رافقت جياكوميتي في مشغله وحياته على حدٍ سواء، أنتجت قطعاً فنية عظيمة، عبَّر عنها جان جينيه في كتابه "الجرح السرّي مَرْسَم ألبرتو جياكوميتي"، قائلاً "ولكن يا إلهي، كما لو كان لتلك الأشياء قوّة تخمّر سحرية مُذهِلة. بدا الأمر وكأنه سحرٌ، عندما ترى الفن يخرج من تلك القمامة الموزَّعة هنا وهناك، فترى الجصّ على الأرض يقفز ويأخذ وضعيات شخصيات قائِمة بحدِ ذاتها".

في مطلع القرن العشرين ولِدَ الفنان السريالي جياكوميتي، في مدينة ستامبا السويسرية على الحدود مع إيطاليا. كان والده رسَّاماً انطباعياً معروفاً يُدعى جيوفاني جياكوميتي، دَرَسَ الفنون الجميلة في جنيف، ثم انتقل إلى دراسة النحت في العاصمة الفرنسية باريس في العام 1922، التي كانت آنذاك وجهة الفنانين والمُبدعين، ومدينة تعجُّ بالتيارات الفكرية والفنية والموجات الجديدة، بحيث جمَعت أهم الفنانين الذين غيَّروا خارطة الفنون أمثال بيكاسو، وسترافنسكي، وبيكت، وجويس، وبالتأكيد جياكوميتي الذي قدَّم لفن النَحْتِ منحوتات ذات طابع سريالي بتكويناتٍ حديثةٍ وبُعدٍ فلسفي مُرتبط بالوجودية والفكر الوجودي لجان بول سارتر، التيار الفكري الذي تأثَّر به جياكوميتي.

أمضى جياكوميتي حياته يتجوَّل في شوارع باريس، بقامته الطويلة والنحيلة ورأسه المُنحني دائماً إلى الأمام. يتنقَّل بين مقاهيها من دون وجهة مُحدَّدة، عاش حالاً من الضياع وعدم الاستقرار، كان مُهمَّشاً عاطفياً ونفسياً، يمشي ويمشي بمظهرٍ يشبه منحوتته "الرجل الذي يمشي" محاولاً المضي قُدُماً لكنه يبقى ساكِناً مُتسمِّراً في مكانه في صمتٍ مُريب. ثم يعود إلى غرفته الصغيرة البيضاء، المكان الذي عاش فيه وحدَته، والذي كان يعني العالم بالنسبة إليه، حيث قال لجينيه ما معناه أنه "لن يكون له مسكن آخر سوى هذا المرسم وهذه الغرفة. ولو كان ممكناً، فإنه يؤثِر أن يكونا متواضعين أكثر"، وبالفعل ظلّ جياكوميتي يسكن مشغله حتى قبل شهورٍ من وفاته، على الرغم من عبقريّته وشُهرته، إلا أنه اختار البساطة  رافِضاً الماديات والحياة البرجوازية التي عاشها الكثير من الفنانين آنذاك.

طقسٌ جنائزي يُخيِّمُ على منحوتات جياكوميتي، تماثيل تظهر عليها علامات الموت بمعناها الرمزي والمعنوي، أرواح مُنهَكة، وظلال أجساد هشَّة تبدو كأشباحٍ، فبحسب قول النحَّات "لم أكن أنحت الشخصَ الإنساني بل ظلَّه الذي يُلقيه على الأرض"، هذا الحزن الواضِح على شخوص جياكوميتي يفسِّر المشهد الدموي لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. رائحة الموت في كل الأرجاء والجميع يعاني عبثيّة المرحلة ونتائجها على الإنسانية جمعاء، وجياكوميتي بحساسيّته المُفرَطة وقدرته على الولوج إلى أعماق الروح الإنسانية والتعبير عن مُعاناتها، راح ينحت تماثيل صوَّرت غُربة الناس وعُزلتهم عن بعضهم البعض. كما في منحوتة "ساحة المدينة" التي يظهر فيها خمسة أشخاص بأجسادهم النحيلة يتجوَّلون في فراغٍ كلٌ في عُزلته الخاصة، يجمعهم المكان وتُفرِّقهم الوحدة.

تبدو أعمال جياكوميتي مُختلفة تماماً عن الأعمال النحتية الأخرى، ويمكن القول إنه صنع تياراً فنياً خاصاً به، مَزَجَ فيه تأثّره بالفن الفرعَوني والسومَري والبيزنطي والأفريقي والأوقياني والأزتيكي، إلى جانب الفن الأتروري. كما تأثَّر بتيار بيكاسو وجورج براك التكعيبي، والذي وصفه جياكوميتي بأنه "مشروع عَبَثي بكل معنى الكلمة"، ثم اتّجه نحو التيار السريالي الذي أصبح من أهم روَّاده، لكنه في النهاية تفرَّد بأسلوبٍ مُميَّزٍ موضوعه الأساس مأساة الوجود الإنساني.

استخدم جياكوميتي مادتيّ البرونز والجصّ في تشكيل منحوتاته، لذلك كثيراً ما كانت تماثيله الضخمة تنكسر أو تُصاب بالتَلَف سريعاً، فيعود ويشكِّلها مرة أخرى، وأحياناً يُعيد نحت تماثيل مُشابِهة لها، وعن اختيار النحَّات لهذه المواد القابِلة للخراب السريع، علَّق جان بول سارتر في إحدى كتاباته قائلاً " اختار الفنان مادة لا وزن لها. مادة هي الأشدّ هشاشة وعُرضَة للتلف والأكثر شبَهاً بالإنسان، لكنها ذات طابع روحاني وخالِد"، لذلك ينتابنا شعور بأن التماثيل ستقع أو ربما ستذوب وتتفتَّت وتعود إلى  أصلها إلى مواد فقط، وهنا تكمُن عَظَمَة هذه الأعمال التي استطاع جياكوميتي أن يخلق فيها حسَّاً يُنذِر بأن شيئاً ما سيحدث، ربما ستصرخ أو تنهار من شدّة المُعاناة.

منحوتات ضخمة يتجاوز طولها المترين، وأخرى صغيرة بحجم كفّ اليد لا يتعدَّى طولها السنتيمترات القليلة، جسَّد جياكوميتي من خلالها أطياف شخصيات مرَّت على حياته، من أصدقائه الفنانين مثل صامويل بيكيت وبيكاسو وجان بول سارتر وبالطبع صديقه المُقرَّب جان جينيه، وكان لزوجته آنيت وأخيه دييغو العدد الأكبر من البورتريهات والتماثيل، وفي مرحلةٍ مُتقدِّمة من حياته الفنية بدأ ينحت من ذاكِرته من دون الاعتماد على أشخاص ماثِلة أمامه، من خلال مُلاحظة الناس في المقاهي وعلى الطُرُقات، وبدا الوضع له أشبه بكابوسٍ، فأخذ على عاتقه مسؤولية نقل هذه الحال الإنسانية من خلال فنه.

عند الحديث عن أعمال جياكوميتي يصعب اختصارها بكلماتٍ قليلةٍ تُعبِّر عن أبعادها الفلسفية، والحال الشعورية التي تولّدها فينا كمشاهدين، والعُمُق الإنساني الذي غاصَ فيه النحَّات في تجربته، هذه التماثيل التي تُعبِّر عن بشاعة هذا العالم عندما يَهلَك ساكنوه من الجوع والفقر والعَوَز والحزن، فالجمال لم يكن هدف جياكوميتي، حيث قال "لا أريد خَلْق لوحاتٍ أو منحوتات جميلة فحسب، فالرسم في نهاية الأمر ليس إلا وسيلة للرؤية، وكل ما أنظر إليه في حياتي يُفاجئني ويتهرَّب مني".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً