نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

متحف "نابو" مُجدّداً.. معرض طموح يروي ثقافة العصر

المعرض يقدِّم نماذج قليلة من أعمال الفنانين المتمثّلين فيه، إلا أنها تقدّم صورة عن تطور الحياة اللبنانية.

من الغريب أن يُطلَق على معرضٍ بحجم معرض "رسوم تركت أثرا"ً في متحف (نابو)، عنوان يُهمّش إنجازات واسعة من الأعمال الفنية يمكن فيها قراءة تاريخ نشوء لبنان الحديث ثقافة، وفناً، بالتوازي مع نشوئه سياسياً، وكيانياً.

ورغم أن المعرض يقدِّم نماذجَ قليلة من أعمال الفنانين المُتمثّلين فيه، إلا أن النماذج تقدِّم صورةً عن تطوّر الحياة اللبنانية -الجبل اللبناني في الرُبعِ الأخيرِ من القرن التاسع عشر، وحتى سنوات مُتقدّمة من القرن العشرين، وما بعد أيضاً.

في تلك الفترة، بدأ مخاضٌ في الجبل اللبناني في مرحلة الخلافة العثمانية التي كان الجبل اللبناني جزءاً منها، وتصاعَدَ المخاضُ على المستوى السياسي بعدَّةِ أحداث وانتفاضات، قلبت موازين القوى، وبداية تأسيس ثقافة حديثة وافِدة مع الاستعمار الأوروبي عبر الإرساليات والبعثات الأجنبية التي بدأت تُغيِّرُ مفاهيم التقليد، وتروِّجُ أنماطاً ثقافية بديلة من المحلّي السائِد.

فعلى الصعيد الديني، ربطت الجبل اللبناني علاقة وطيدة مع البابوية في روما، وبالتالي مع الثقافة الإيطالية، وفنونها، وعلى الصعيد السياسي، تولّى الفرنسيون مهمّة تأسيس الأرضية للمشروع اللبناني المُقبل وفق كيانه الحالي.

على صعيد الثقافة والفنون، وَفَدَت إلى الجبل اللبناني بعثاتٌ تبشيريةٌ إيطالية، ويسوعية فرنسية، لتوطيد العلاقة والثقافة مع المجتمع الماروني، ودرَّبت في سياق نشر ثقافتها، رجال الدين الموارنة على الفنون، فكانوا أول رسّامي الزيتيّات في لبنان، وعندهم تدرَّبَ داود قرم على فنونِ الرسم، فكانت بداياته رسومات دينية بالإجمال.

يُؤثِر مُعظم الأكاديميين على اعتبار قرم أبَ الفن اللبناني، رغم أنه سبقته قلَّة من الفنانين الكَهَنة، أبرزهم موسى ديب المتوفّى سنة 1826، وإبن أخيه كنعان الذي تدرَّبَ مع قرم على يدِ فنانٍ إيطالي جاء مع مجموعةٍ تبشيريةٍ يسوعيةٍ أوائل ثلاثينات القرن التاسع عشر.

من هنا أهمية معرض (نابو) الذي ينطلق مع قرم، ويتدرَّج تاريخياً نحو يوسف الحويك، وحبيب سرور، وخليل الصليبي، وما بعدهم، مُسترجِعاً، بالفن، تجسيد البيئة التاريخية التي أسَّست لكيان لبنان الحديث، ذلك أنه في تلك الفترة، بدأت تتبلور اتجاهات ثقافية- سياسية مُغايرة للسائِد المحلي، وذلك بالتوازي مع نشوء "أوتيل صوفر الكبير" (1893) على يد عائلة سرسق الأرستقراطية المسيحية البيروتية، حيث جَمَعَ الأوتيل الكثير من الشخصيات، والعائلات اللبنانية التي جسَّدت ثقافةَ وسياسةَ العصر الوافِد، بداية في الرُبع الأخير من القرن التاسع عشر، ثم بعد الحرب العالمية الأولى، وأنتجت أولى قادة الحُكم في الكيان المُستجدّ.    

يعرض معرض (نابو) تطوّرات الفن اللبناني ناقِلاً بذلك تطوّرات نشوء لبنان، ثقافياً وفنياً، وفق التركيبة الحديثة التي كان يجري التحضير لها، لتتبلور في العقود اللاحِقة. ولا يسعنا النظر إلى المعرض بفنونه، وفنانيه من زاويةٍ فنيةٍ بَحْتةٍ، وهو يستعرض المراحل الفنية، ومُتغيّراتها وفق مُتغيّرات السنين المُتقدّمة.

"إنه محاولة لجعل العالم حولنا مفهوماً، تنصّ لوحة إعلانية في مقدّمة المعرض، واصفة الأعمال الفنية بـــ "اعتبارها وثائق تاريخية شاهِدة على أوقات إنتاجها"، تأكيداً على أهمية المعرض في هذا السياق التاريخي، وليس كمُجرَّد "رسوم تركت أثراً".

ينقسم المعرض إلى طبقتين، الأولى، السفلية من المتحف، وهي مُفعَمة بمناخاتِ البدايات، وتطوّراتها حتى أربعينات القرن الماضي، عبوراً ببداياتِ القرن العشرين مع فيليب موراني (1875) الذي كان رسَّاماً في فرنسا حتى مطلع القرن، ثم يوسف الحويك الذي عُرِفَ مع جبران خليل جبران وأمين الريحاني بـــ "آلهة الأرض" في باريس، فماري شيحا حداد التي دَرَست في مدرسة سيّدة الناصرة الفرنسية، وتعرَّفت من خلالها على الفن الأوروبي، وهي من العائلات الأرستقراطية التي تأسّست معها أركان القادة السياسيين اللبنانيين، فصَهْرها هو الرئيس بشارة الخوري، وشقيقتها زوجة الماركيز دو فريج الفرنسي، وشقيقها ميشال شيحا، واضِع دستور لبنان القادم 1926.

وصولاً إلى بيبي زغبي، وقيصر الجميّل وكل هؤلاء الفنانين تتلمذوا، وتدرَّبوا في المدارس الأوروبية، خصوصاً الفرنسية والإيطالية، وعندما بدأ مصطفى فروّخ، وعُمر الأنسي، ومارون طنب، وصليبا الدويهي وسلوى روضة شقير وسواهم بتطوير أعمالهم، فإنما على خُطى هؤلاء الفنانين، وعلى أيدي بعضهم، من دون التوقّف عند ما وصلوا إليه، بل تناغموا في تطوّراتهم وتغييراتهم وفق المُستجدّات الثقافية، والفنية المُتتالية.

ومما لا شك فيه أن المرء يعود إلى النصف الأول من القرن العشرين في جولته في الطبقة الأرضية من متحف "نابو"، يتلمَّس فيها من دون إرادة، مناخات عصر النهضة الأولى، وتأسيس فن لبناني لم يكن موجوداً في الأساس.

في الطبقة الأولى، العُليا من متحف "نابو"، انتقال لمناخاتٍ فنيةٍ مألوفة، هي الفنون الأكثر حَداثة، والتي تلي مرحلة "الانطباعية اللبنانية" التي يرى الأكاديمي الدكتور فيصل سلطان إنها كانت قد استنزفت نفسها، ويقول في تقديمٍ للمعرض إنه "أواخر الأربعينات، وأوائل الخمسينات، ازداد شعور الجيل القادِم من "الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة" (تأسَّست سنة 1943) إن الأسلوب الانطباعي قد استنفد، وإن المرحلة التجريبية في الرسم والنحت لا بدّ من أن تقود إلى ضفافٍ جديدة"، ومن هنا يرى أن "الرسم انفتح على أسفارٍ من دون استقرار، وعلى مفاهيم لرؤى جديدة دخلت في تصوير "الشكل" وصولاً إلى "اللا شكل"، واصفاً أعمال سلوى روضة شقير وميشال بصبوص ب"النغمية الحرّة"، وأعمال شفيق عبود وإيفيت الأشقر ب"تجريد غنائي مُنبَثِق من الطبيعة"، تارِكاً "التعبيرية الواقعية المُتحرِّرة" لفريد عواد، وعارف الرّيس، وبول غيراغوسيان، وحليم جرداق، وأمين الباشا، عابِراً في أعمال بقيّة الفنانين المُحدثين أمثال جان خليفة، وسيتا مانوكيان، وحسين ماضي، وجميل ملاعب، وغريتا نوفل، ولور غريب وآخرين.

الأعمال المُشارِكة في المعرض هي ل35 فناناً، وتُناهِز ال360 عملاً، ويستمر عَرضها حتى أيلول/سبتمبر المقبل، ويمكن القول إن المعرض باتّساعه، وطموحه يمكن أن يشكِّلَ عاماً دراسياً لطلابِ الفن، ومزاراً دائِماً لموسمِ الصيف لعشَّاقِ الفنِ التشكيلي وتطوّراتِه إذا أرادوا.  

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً