فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

خفّة ترامب في لعبة "القصّ واللصق" في الشمال السوري

لا يمكن للمنطقة الآمنة أن تُعيد الأزمة السورية إلى نقطة البداية، ولم يعد بإمكان الرئيس التركي أن يخوض حرباً مفتوحة في سوريا مع الكرد السوريين ومع الجيش العربي السوري وحلفائه. ولعلّ من سوء حظ أردوغان أن الوقت قد تأخّر كثيراً على مطلبه الأبرز في الحرب على سوريا. العَرض الأميركي اليوم هو أشبه بالهدية المسمومة لأنه ينطوي على مشروع حرب استنزاف طويلة الأمد لا يحتاجها أبداً الاقتصاد التركي النامي.

خفّةُ ترامب في لعبة "القصّ واللصق" في الشمال السوري
خفّةُ ترامب في لعبة "القصّ واللصق" في الشمال السوري

بُعيد إعلان انسحاب قواته من أقصى الشمال السوري، توجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان مُحَرِّضاً: "ها نحن نغادر. سوريا لك خُذْها".

كان يمكن تصنيف هذا التصريح في خانة التصريحات الرئاسية الأميركية الإنفعالية وغير المدروسة، على غِرار تصريحه الشهير قبل الإنتخابات الرئاسية بأنه كان على أميركا أن تنهب النفط العراقي وأن الحكومة العراقية لا تصمد أسبوعين من دون دعم واشنطن ومثلها الحكومة السعودية وألمانيا وأوروبا..الخ.

كان يمكن تصنيف التصريح المذكور في هذه السلسلة لولا أنه تكرّر من بعد بصيغةٍ معدّلةٍ حيث قالت الإدارة الأميركية إن بوسع تركيا إنشاء منطقة عازِلة بعُمق 30 كلم على طول الحدود السورية التركية.

لا بدّ من الإشارة إلى فارِقٍ أساسي مهم بين التصريحين يتمثل بزيارة جون بولتون إلى تركيا وتصريحه الشهير بأن التعرّض للكرد المَحميين أميركياً في الشمال السوري لن تسمح به الولايات المتحدة بعد رحيلها.

زاد ترامب على بولتون بتحذير تركيا من أن واشنطن ستدمّر إقتصادها إذا ما تَعرَّضتْ للمجموعات الكردية المنضوية تحت لواء "قوات سوريا الديمقراطية".

لم يذعن أردوغان للتهديد فكان أن تلقّى عرضاً أميركيا آخر بإنشاء منطقة آمِنة كان يريد إقامتها منذ بداية الأزمة السورية ، بحيث تكون على غِرار المنطقتين الآمنتين اللتين أشرفت واشنطن على إنشائهما في العراق بعد حرب الخليج الأولى في الشمال الكردي والجنوب الشيعي، وشكّلتا مقدمة لإنهاك الجيش العراقي وسقوط بغداد عام 2003، بَيْد أن أحداً لم يؤيّد الاقتراح التركي في ذلك الحين، فهل يمكن تنشيطه مجدّداً برعاية أميركية وما هي أغراضه وبخاصة تأثيره على الأزمة السورية؟

قبل الرد على هذا السؤال لا بدّ من الإشارة إلى التحرّك التركي نحو هذه القضية باتجاهين، الأول هو بحث كيفية إنشاء المنطقة الآمِنة بين رئيس الأركان التركي ونظيره الأميركي في ألمانيا، والثاني رفض أردوغان إعطاء قوات حماية الشعب أية امتيازات بل يجب تجريدها من السلاح على  حد زعمه، وبالتالي التعاطي معها بوصفها جماعة إرهابية معتبراً أن "الإرهاب واحد إن كان كرديا أو تركيا أو عربيا".

وهذا يعني أن الرئيس التركي يريد الفوز على الجبهتين: التخلّص من إعدائه الكرد والحصول على المنطقة الشمالية الآمنة في الآن معاً.

يفيد التراجع الأميركي عن التهديد بتدمير الإقتصاد التركي ومن ثم عرض مشروع المنطقة الآمنة السورية، بِنيِّة الولايات المتحدة نقل الصراع في الشمال السوري من الوجهة التكتيكية للضغط على الحكومة السورية وحلفائها إلى وجهة استراتيجية تقضي بدفع تركيا، العضو في الحلف الأطلسي، للانخراط بقوّة في الحرب السورية مُستندة إلى حلفائها السوريين من مختلف الأحزاب والمجموعات المحمية تُركياً، وإلى مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في المخيمات التركية.

وإن تمّ لها ذلك يمكن للمنطقة الآمنة إن تتحوّل إلى بؤرة استزافٍ طويل الأمد لسوريا، وأن تعيق إعادة بناء ما دمّرته الحرب وأن تجعل مصير الدولة مُعلّقاً على الإرادة التركية، ناهيك عن أن المنطقة الآمنة نفسها يمكن أن تنتقل إلى الملكية التركية أو إلى احتلالٍ محميّ بزعم إيواء النازحين السوريين او أية ذرائع مشابهة.

لكن قضية المنطقة الآمنة تستدعي حل مشكلتين عويصتين. الأولى تتعلّق بالكرد المُناهضين لتركيا وهؤلاء يصعب تحويلهم إلى أصدقاء لأنقرة خلال أسابيع ، والثانية تتّصل بسوريا وحلفائها وهؤلاء سيقاتلون بقوّة لحماية انتصارهم في الحرب السورية من الاستنزاف عبر "الحزام الآمن" ، ناهيك عن احتمال انخراط  "قسد" في مُجابهة مُشتركة ضدّ الأتراك جنباً إلى جنب مع الجيش السوري.

لا يبدو الطريق نحو المنطقة السورية الآمنة سالكاً فهو يستدعي إضافة إلى ما سبق، إعادة النظر بالتنسيق الثلاثي التركي الروسي الإيراني ، وبالتالي البحث عن حلفاء جُدُد لاستراتيجية جديدة تقوم على حماية منطقة واسعة بالقوّة المسلحة، وبمساعدة حلفاء إقليميين مُحتَملين من بينهم إسرائيل التي يشغلها التصدّي للمحور الإيراني السوري اللبناني العراقي الآخذ بالتوسّع مُهدّداً مستقبلها، ويمكن أيضاً الرهان على  العربية السعودية التي تحتفظ بعلاقاتٍ شديدة السوء مع تركيا، لكنها هي الأخرى تبحث عن حلفاء لمواجهة المحور المذكور.

يبقى أن روسيا التي ترعى مشروع نهوض سوريا مُجدّداً لا يمكنها أن تشدّ على يد إردوغان وبالتالي التزام الصمت تجاه المنطقة الآمنة.

وقد أكّد مبكراً وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن بلاده ترى أنه على الحكومة السورية أن تتولّى بنفسها إدارة المناطق التي تنسحب منها القوات الأميركية من سوريا.

الواضح أن واشنطن تُغري تركيا بالمنطقة الآمنة لحملها على الابتعاد عن محور أستانة ولحماية أصدقائها الكرد في الآن معاً، وتسعى من جهة أخرى لتنظيم " ناتو عربي إسلامي" لمواجهة المحور السوري الإيراني المظفر في الحرب على سوريا.

في الحالين يبدو الأمر أشبه بـ "القصّ واللَصق" ويستند فقط إلى فرقاء مهزومين لا يثقون بالإدارة الأميركية المهزومة هي أيضاً في الشرق الأوسط، والتي تفتقر إلى استراتيجية واضحة في المنطقة مبنية على رؤية بعيدة المدى وليس على مواقف بهلوانية تُربِك الأصدقاء ولا تحول  دون تصميم الأعداء على مواصلة تقدّمهم بثبات.

لا يمكن للمنطقة الآمنة أن تُعيد الأزمة السورية إلى نقطة البداية، ولم يعد بإمكان الرئيس التركي أن يخوض حرباً مفتوحة في سوريا مع الكرد السوريين ومع الجيش العربي السوري وحلفائه.

ولعلّ من سوء حظ إردوغان أن الوقت قد تأخّر كثيراً على مطلبه الأبرز في الحرب على سوريا. العَرض الأميركي اليوم هو أشبه بالهدية المسمومة لأنه ينطوي على مشروع حرب استنزاف طويلة الأمد لا يحتاجها أبداً الاقتصاد التركي النامي.

إن الحديث عن الإمساك بمستقبل سوريا من الشمال والجنوب ـــــ عبر الجولان المحتل من طرف إسرائيل وعبر المنطقة الآمنة المُفترضة من طرف تركيا ـــــ قد يبدو مُغرياً بالنسبة للذين يستهويهم التفسير المُريح والصوري للأزمة السورية.

ذلك أن الجنوب السوري بات اليوم في قبضة الدولة من دون أيّ لاعبٍ آخر من الجماعات المسلحة التي كانت تستند إليها إسرائيل.

بالمقابل من الصعب تركيز منطقة آمنة برعاية تركيّة على طول الحدود السورية التركية مع وجود جماعاتٍ مسلحةٍ سوريّةٍ وكرديةٍ مُناهضةٍ لتركيا ، وعمقٍ سوري وإيراني لمقاومةٍ شرسةٍ وناجحةٍ ضد ما يمكن أن يصبح بسرعة الاحتلال التركي للشمال السوري. وهذا كله يعني حرباً جديدة تركية سورية ليست من النوع الذي يتناسب مع حسابات السيّد رجب طيب أردوغان الذي راهَن دائماً على مكاسب اقليمية من دون كلفة باهظة. في المحصّلة يبدو الرئيس التركي كمَن ربِح في اللوتو رصيداً لا يمكن تحصيله إلا بدفعِ ضريبةٍ أكبر منه.

 

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً