مقالات - رأي

من المنتظر أن تركّز عملية سوتشي، ولا بد من أن تكون على جولات عديدة، على تظهير ما تحقّق في الميدان، من مكافحة للإرهاب، ومصالحات، واتفاقات لخفض التوتر، وضمانات عملية إلخ، خلقت "استقراراً" في أجزاء كبيرة من سوريا، والتأكيد على أوسع مشاركة ممكنة من فواعل وتكوينات وشرائح المجتمع السوري، والتركيز على أن الهدف الرئيس هو التوصّل إلى حل سياسي، يضمن صيغاً دستورية معقولة، وقوانين انتخاب، وإجراءات لبناء الثقة، وجبر الخواطر، وعودة اللاجئين، والمساعدات، وإعادة الإعمار إلخ.

بوسعنا القول إن كرة الثلج قد انطلقت بقوّة. يبقى خط سيرها واستقرارها النهائي وهنا تبدو الاحتمالات مفتوحة. وأولها أن تقطع الولايات المتحدة الأميركية الطريق على التحرّك بالتراجُع عن القرار عبر تجميد تطبيقه كما كانت عليه الحال من قبل، وذلك بضغط من حلفائها العرب والمسلمين والأوروبيين وهذا الاحتمال وارد لأن ترامب تراجع من قبل عن قرارات أخرى وانصاع للضغوط.

الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" بإعلانه أن القدس عاصمة دولة "إسرائيل"، هو لم يرسل فقط للفلسطينيين رسالة مفادها أن القدس قد خرجت من دائرة مفاوضات قضايا الحل النهائي، أو على الأقل أن المطالب الفلسطينية في القدس غير مقبول بها، ليس من الطرف الآخر من التفاوض، بل أن الراعي الرسمي والوحيد لعملية التسوية هو الآخر يدحض تلك المطالب، لذا المنطق يقول إن الولايات المتحدة بهذا الإعلان تعلن عن انتهاء دورها كوسيط رسمي ووحيد لعملية التسوية في الشرق الأوسط.

الرهان لايصح أن يكون على هؤلاء.. الرهان ينبغي أن يكون على محور المقاومة ومع هذا المحور يقف الشعب العربي والفلسطيني وفق استراتيجية واضحة، وما دون هذا المحور.. هباء في هباء!!!

الولايات المتحدة وحلفائها لا يعلنون هزيمة مباشرة في سوريا، لكن فشلهم أيضاً في تحقيق أيّ من الأهداف التي تمّ تحديدها مع بداية الحرب السورية ما يعني عملياً هزيمة مشروعهم السياسي والبحث عن أساليب أخرى للحد من الهزيمة والتعامل مع الواقع. في هذا السياق، منذ مجيء ترامب إلى البيت الأبيض، برزت مشكلة واضحة لدى الأميركيين في تظهير استراتيجية واضحة، وبرزت اختلافات جدية بين البنتاغون والخارجية والبيت الأبيض في التفاصيل. الجديد أن ترامب بشخصيته الإشكالية وأسلوبه الفظ لا يسهّل على بقية أذرع الإدارة ابتلاع سياساته.

يصحّ اليوم قول المسيح "مرثا مرثا، تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد"، المطلوب من الجميع اليوم وقفة مع الذات ومع الحق انتصاراً للعدل والسلام، وإلا علينا وعلى الدنيا السلام.

نشرت وكالة بلومبرج الأميركية تقريراً في شهر نيسان/أبريل الماضي 2017 أشارت فيه إلى محادثات سرّية أجراها صهر ترامب "جاريد كوشنر" بهدف إبرام اتفاق تاريخي يتضمّن إنشاء اقليم فلسطيني يموّله عدد من البلدان العربية الخليجية، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في شهر حزيران/يونيو 2017 بعضاً من تفاصيل هذه الدولة، أهمها إقامة عاصمة الدولة الفلسطينية خارج مدينة القدس الشريف، وذلك في ضاحية أو بلدة «أبوديس»، التي تقع شرق مدينة القدس، وقد فصلت إسرائيل بين بلدة أبوديس ومدينة القدس بالجدار العازل.

شكّل نجاح ترامب فرصة كبيرة لليمين الإسرائيلي الحاكم في دولة الاحتلال، لما يمكنه من تعزيز خطواته في تهويد القدس والتهام الضفة الغربية، فرئيس الحكومة اعتبره "صديقاً حقيقياً لدولة إسرائيل"، وزعيم البيت اليهودي بينيت اعتبر فوز ترامب هو إنتهاء عهد الدولة الفلسطينية، وبقرار ترامب يسجل نتنياهو واليمين الإسرائيلي انتصاراً هاماً ليس على الصعيد الدبلوماسي بل بالقضاء على البرنامج السياسي لليسار الإسرائيلي والتائهين العرب المهرولين نحو التسوية.

لم يكن التاريخ يسير ببطء في أحداث سوريا ولم تكن المؤامرة مجرّد رهان على إسقاط النظام فيها، بل كان المقصود إسقاط الدولة ولم يكن حمد بن جاسم آل ثاني وسعود الفيصل إلا مجرّد أدوات. ولم تكن سوريا في الحرب الكونية التي سلّطت عليها سوى واجهة للدخول في جوهر الصراع الحقيقي من أجل تفتيت المنطقة والدفع بها نحو المجهول.

أما وقد ذهب رئيس الولايات المتحدة، المعروف بالتهوّر والتصهين المتطرّف، إلى هذه الخطوة التي هي مساس صارخ بأقدس مقدّسات العرب والمسلمين، فلا بدّ من وقفة حقيقية بعد ذلك خاصة وأنّ هذه الخطوة تلت قتل وتدمير وتهجير وإذلال الملايين من شعب فلسطين بأكمله، وأتت بعد حروب على بلدان عربية عديدة، وتفتيت بعضها، وقتل قادتها، والاستهانة بمصير الملايين من شعوبها.

ظهر سيد البيت الأبيض يوم الأربعاء الموافق 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017، مزهوّاً بصلاحياته السياسية والإدارية من داخل البيت الأبيض هو ونائبه السيد مايك بينيس، ليلقي على العالم بضع كلمات مسمومة اعتاد أن يرددها بهوس على جمهوره وأتباعه في داخل الولايات المتحدة الأميركية وعلى مجتمع النخبة السياسية في عالمينا العربي والإسلامي للأسف. وقال إنه جاء إلى البيت الأبيض ليصحح مسار قرارٍ اتخذه الكونغرس الأميركي بتاريخ 23 تشرين الأول/ أكتوبر 199 بشأن نقل سفارته من تل أبيب العاصمة السياسية للكيان الصهيوني للدولة العبرية الصهيونية إلى مدينة القدس الشريف التي اعتبرها ترامب عاصمةً فعلية واقعية للكيان الإسرائيلي، وردد أكثر من مرة نقده اللاذع للرؤساء الأميركيين الذين سبقوه ولم يستطيعوا تنفيذ القرار منذ ذلك الحين وحتى اليوم، في حين أنهُ -أي ترامب- هو الرئيس الشجاع الذي نفّذ ذلك القرار السيئ السمعة والأثر ليس على مستوى أهلنا بفلسطين وحدهم، وإنما على مستوى العالم.

ما كان بوسع ترامب أن يتّخذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، لولا توافر ظروف ملائمة أميركية ودولية وعربية وإسلامية وإسرائيلية بطبيعة الحال. فلجهة أميركا كان واضحاً أن ترامب يتمتّع بهامش ضئيل للمناورة في القسم الأعظم من الملفات التي طرحها في حملته الانتخابية، وقد تبيّن من بعد أنه غير قادر على الالتزام بها بسبب مقاومة "الاستبلشمانت" والدولة العميقة. ونتحدّث عن على سبيل المثال لا الحصر عن قانون منع تأشيرة الدخول عن مواطني الدول المسلمة إلى الولايات المتحدة وعن الجدار الفاصل مع المكسيك.

بعيداً عن الصخب وتطوّر الجهود الدولية لمُكافحة الإرهاب في سوريا والعراق، كانت حرب من نوع آخر يشتدّ أوارها بين القاعدة وتفرّعاتها على أرض الخلافة السابقة (سوريا والعراق) خلال الأسبوعين الماضيين، هي أقرب إلى حرب الإلغاء منها إلى أيّ شيء آخر. فما كان يُحكى عن وِئام وتناغُم وانسجام وتكامُل بين "أبو محمّد الجولاني" مُمثّل القاعدة في سوريا سابقاً وبين زعيم القاعدة "أيمن الظواهري" بدأ يتكشّف خطأه، ويتبيّن كم أن سرعة وديناميكيات التحوّلات كبيرة داخل بُنية هذه التنظيمات.

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان المُصطنَع "إسرائيل" يؤكّد من جديد أن منطق القوّة وحده القادر على افتكاك الحقوق وإسقاط الاحتلال، وأن السلام لا تأتي به المسرحيات البائِسة التي لا هدف لها سوى تمضية الوقت في انتظار لحظة الانقضاض المناسبة.

إن مصالح أميركا في "الخيارات الصعبة" قد فضحها المؤرِّخ الأميركي "جاكسون ليرس" من خلال كتابه الشيّق "خرافات الوفرة والتاريخ الثقافي للإعلان الأميركي" وذلك بالبرهان على أن أميركا تريد بناء موقف عقلاني لتبريد حرارة سياساتها الخارجية العدوانية حيث يردِّد بسخرية كلمات المسرحي الإغريقي "أسخيلوس" بأن الحروب هي مصارف محمية واحتياطي الذهب فيها هي اللحوم البشرية المقطَّعة.