محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

رحل "حسين سالم" مهندس اتفاقيات الغاز مع إسرائيل

إنه حسين سالم رجل الأعمال المصري المعروف، والمُقرَّب من حسني مبارك، والذي يُعرَف بأنه "مُهندس اتفاق الغاز" بين مصر وإسرائيل، والذي أثار جدلاً كبيراً في مصر وخارجها، كما أنه يُعدّ من رجال الأعمال الذين "تصالحوا مع الدولة المصرية" في قضايا الفساد.

رحل "حسين سالم" مُهندس اتفاقيات الغاز مع إسرائيل
رحل "حسين سالم" مُهندس اتفاقيات الغاز مع إسرائيل

اشتهر "سالم" على نطاقٍ واسعٍ بالدور الرئيسي الذي لعبه في اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى(إسرائيل) من خلال شركة غاز شرق المتوسّط التي يمتلك نصيباً كبيراً فيها. وصدر قرار القَبْض على “سالم” من قِبَل الإنتربول الدولي لاتّهامه في قضايا فساد في مصر، وأُلقيَ القبض عليه يوم 16 حزيران/ يونيو 2011 من قِبَل الإنتربول الدولي في إسبانيا ثم تم الإفراج عنه بعد يومين بكفالةٍ تُقدَّر بـ 27 مليون يورو بعد تجميد جميع أصوله وأرصدته.

في عهد مبارك، ولأنه كان أكثر الرجال ارتباطاً بنظامه، ومن أقرب أصدقائه، وصِفَ سالم بأنه واحد من أكثر رجال الأعمال سرّية في مصر، كما وصِفَ بإمبراطور الأعمال، وكان من أقرب المُقرَّبين لـ”مبارك”. كذلك روي عن حسين سالم شراكته مع إحد ضباط الموساد الإسرائيلي، ومن ثم كانت اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، تلك الاتفاقية التي وقَّعتها الحكومة المصرية عام 2005 تقضي بالتصدير إلى تل أبيب 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي لمدّة 20 عاماً، بثمنٍ يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية بينما يصل سعر التكلفة إلى 2.65 دولار.

لقد حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاءٍ ضريبي من الحكومة المصرية لمدّة 3 سنوات من عام 2005 إلى عام 2008 وقد أثارت هذه الاتفاقية حملة احتجاجات كبيرة دفعت عدداً كبيراً من نواب مجلس الشعب المصري إلى الاحتجاج وتقديم طلبات إحاطة. ويمتد خط أنابيب الغاز بطول مائة كيلومتر من العريش في سيناء إلى نقطةٍ على ساحل مدينة عسقلان جنوب السواحل الإسرائيلية على البحر المتوسّط. وشركة غاز شرق المتوسّط، المسؤولة عن تنفيذ الاتفاق، هي عبارة عن شراكةٍ بين كل من رجل الأعمال المصري حسين سالم، الذي يمتلك أغلب أسهم الشركة، ومجموعة ميرهاف الإسرائيلية، وشركة أمبال الأميركية الإسرائيلية، وشركة بي تي تي التايلندية، ورجل الأعمال الأميركي سام زيل. وقد حكمت محكمة القضاء الإداري المصرية بوقْف قرار الحكومة بتصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، إلا أن الحكومة المصرية قدَّمت طعناً لإلغاء الحُكم للمحكمة الإدارية العُليا التي قضت بإلغاء حُكم المحكمة الإدارية.

هي أدلَّة الاتهام في القضية قدَّمتها النيابة العامة على مدار ساعة تقريباً في قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل، التي أدَّت إلى إهدار 82 مليون دولار، على الدولة، مع التأكيد على أن إثبات الاتهام يتحقَّق بأدلَّة قولية وأخرى مادية. وتبيَّن من خلال الأدلّة القولية والاستماع لأقوال عددٍ من خُبراء البترول وقيادات وزارة البترول، أن مبارك هو صاحِب القرار الأول والأخير بشأن الموافقة على تصدير الغاز إلى إسرائيل. وتبيَّن من خلال المُستندات، التي حصلت عليها النيابة، وهي عبارة عن صورةٍ من العقد الموقّع بين مصر وإسرائيل بشأن تصدير الغاز للأخيرة، أن الجانب المصرى، مُتمثّلاً في رئيس الدولة، وافق على تصدير الغاز بأسعارٍ أقل من السعر العالمى، إذ حصلت النيابة على عقودٍ لاتفاقيات دول أخرى لتصدير الغاز تحتوى على أسعارٍ أعلى من التي وضعها الجانب المصري في تلك الاتفاقية.

نعم حضرت شهادة الراحِل عمر سليمان.. فماذا قال عن صفقة بيع الغاز لإسرائيل؟ في تحقيقات النيابة العامة معه في القضية المُتَّهم فيها مبارك، ونجلاه “علاء وجمال” وحسين سالم، لاتهامهم بالتحريض على قتل المُتظاهرين وإهدار المال العام والتربّح وتصدير الغاز إلى إسرائيل، أوضح أن مبارك كان على علاقة صداقة مع “سالم” منذ 20 عاماً، وكشف عن أنه كلَّف الأخير بالتنازُل عن شركته للقطاع الحكومي وتأسيس شركة أخرى مع مساهمين آخرين والهيئة العامة للبترول لتصدير الغاز إلى إسرائيل وسُمّيت شركة البحر الأبيض المتوسّط للغاز ، إلا أن رجل الأعمال المصري لم يكن سعيداً بهذا التكليف لأنه يُسيء إلى شخصه لدى الرأى العام باعتباره مُطبِّعاً مع إسرائيل. وقال إن “مبارك” خصّ “سالم” بهذا التكليف لسَبْقِ تعامله مع بعض العناصر من المُستثمرين الإسرائيليين في إنشاء مُصفاة شركة “ميدور” التي صارت بعد ذلك مملوكة بالكامل للهيئة العامة للبترول، وبدأ تصدير الغاز إلى إسرائيل من خلال الشركة المُساهِم فيها “سالم” منذ عام 2008 حتى خرج منها عام 2009.

لقد حضر تأكيد “سليمان” أنه في عام 2003 تمّ إبرام مُذكّرة تفاهُم بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية لإمداد إسرائيل بالغاز، من خلال القطاع الخاص، ثم أبرم العقد بين شركتي شرق البحر الأبيض المتوسّط والكهرباء الإسرائيلية ، على أن يتمّ بيع 7 بلايين طن وحدة حرارية بريطانية للشركة الإسرائيلية سنوياً لمدّة 15 سنة على أن يكون ثمن الوحدة 2.25 دولار تقريباً. وتابع “سليمان” إن سبب التعاقُد مع إسرائيل هو الالتزام باتفاقية السلام معها المُبرَمة عام 1979، وأن مصر التزمت بتصدير 2 مليون طن بترول إلى إسرائيل بالسعر العالمي، عوضاً لهم عن انسحابهم من سيناء، وتمّ تفعيل هذا الالتزام عام 1984 بعد انسحابهم عام 1982.

هنا حضرت البراءة بعد التصالُح حصل سالم على حُكمٍ بالبراءة في قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل، رقم 1061 لسنة 2011 القاهرة الجديدة، والتي كان مُتّهماً فيها بالإضرار بالمال العام والتربّح، والإضرار بالمركز الاقتصادي للبلاد، وإهدار ثرواتها الطبيعية. ففى أول حُكم بالقضية، قضت “الجنايات” بمُعاقبة سامح فهمي بالسجن المُشدَّد 15 عاماً مع عُزْله من وظيفته، ومُعاقبة الهارِب حسين سالم غيابياً، وغيره من قيادات وزارة البترول بالسجن المُشدَّد لمدّة 7 سنوات، وبعد إعادة محاكمتهم أمام دائرة مُغايِرة، قضت ببراءة جميع المُتّهمين المُعادة محاكمتهم حضوريّاً، بينما ظلّ حُكم الإدانة الغيابي ثابتاً في حق “سالم” لكونه هارِباً حينها.

يبقى أنه بعد تصالُح سالم واتخاذ إجراءات إعادة مُحاكمته، قضت المحكمة استناداً إلى براءة المُتّهمين كفاعلين أصليين بالقضية، وهما مبارك، ووزير البترول سامِح فهمى، ورفض محكمة النقْض طعن النيابة العامة على حُكم البراءة في القضية. لتذهب القضية أدراج الرياح ويرحل عرَّاب التصدير والتطبيع من دون أدنى جواب.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً