محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

القلمون معركة عسكرية بأبعاد جيوسياسية

كثيرة هي المعارك التي شهدتها سوريا منذ عام 2011 حتى يومنا هذا، وفي معظمها كانت تعبر عن صراع الإرادات والأجندات التي من شأنها تغيير التوازنات القائمة على مستوى الخارطة الإقليمية_ وهي بطبيعة الحال كانت تتسم بالتوازنات الهشة وغير الثابتة_ وكثيرة أيضاً هي المقاربات التي تغيرت خلال هذه المعارك التي تعتبر معركة الجرود والقلمون واحدة منها إن لم نقل أنها من بين أهم تلك الصراعات، لأنها شكلت واحدة من معارك "المصير والوجود" لمحور المقاومة و"اقتحام الموت بالموت" بالنسبة لحزب الله وصولاً إلى ماهو أبعد من ذلك بكثير من خلال الافرازات والنتائج التي تمخضت عن عملية تحرير هذه البقعة الجغرافية والتي تضمنت صندوق رسائل عن قدرة وإمكانات وتأثير محور المقاومة أو بعض فاعليه بتغير التوازنات لصالحه في مواجهة الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية.

  • القلمون معركة عسكرية بأبعاد جيوسياسية

من حيث الواقع الشكلي وبعد مرور عامين فأن المعارك التي شهدتها القلمون السورية والجرود اللبنانية كانت ضد التنظيمات الإرهابية التابعة للقاعدة والتنظيمات المرتبطة بها(داعش، النصرة، جيش الإسلام...إلخ) وبهدف تأمين العاصمة دمشق وخطوط الأمداد الآمن للجيش السوري للمنطقة الوسطى واستعادة المناطق الحيوية للحد من انتقال السلاح وتأمين الطريق البري للمحور المقاومة والعمق اللبناني للحد من ظاهرة الفوضى الأمنية،  ولكن من حيث المضمون وبقراءة مابين سطور العمليات التي جرت هناك، فأن عملية التحرير كانت بمثابة جولة من جولات الصراع الدائرة على مستوى المنطقة مابين محور المقاومة وإسرائيل ومن خلفها واشنطن ومايسمى بمحور الاعتدال، ولاسيما أن طبيعة الاشتباك التي حصلت أثبتت حقيقة تعدد أطراف الصراع المباشرة وغير المباشرة واختلاف تأثيراتهم وأدوارهم، واستعرضت مدى جهوزية المحوريين ومايملكانه من كفاءة وخبرات قتالية، وكسرت مقاربة الخطوط الحمراء التي سعت واشنطن منذ انتهاء حرب تشرين التحريرية إلى فرضها على مستوى المنطقة لخدمة تحقيق الأمن الإسرائيلي في صراعه مع المحور العربي (التعاون بين الجيوش العربية)، وبذلك فأن عملية التحرير مثلت تحدياً مباشراً لمشاريع وإرادات الدول الداعمة للتنظيمات الإرهابية والتي حاولت من خلال نشر الإرهاب في سوريا عموماً والسيطرة على الخط الحدودي السوري اللبناني خاصة إلى إعادة إحياء مخاض (الفوضى الخلاقة) وفرض مشروع الشرق الأوسط الجديد عبر وكلائها بعد فشلها عام 2006.

لذلك فأن عملية التحرير تضمنت عناوين وحقائق لايمكن تجاهلها على المستويين الجيوسياسي والعسكري على حدٍ سواء، ورسائل لم يتأخر وصولها إلى من يهمه الأمر:

1.إسقاط الخطوط الحمراء والتفرقة وإلغاء أي تعاون بين الجيوش العربية والتي سعت واشنطن لفرضها كأمر واقع بعد نهاية حرب تشرين التحريرية إلا بما يحقق أجنداتها، ولتأمين الأمن القومي الإسرائيلي وإضعاف قدرة هذه الجيوش على المواجهة من خلال المساعدات المشروطة.
فما شهدته العمليات العسكرية في القلمون والجرود غيرت المقاربة واحدثت تعاوناً وتنسيقاً _ولو لم يكن معلناً_بين الجيشين السوري واللبناني، فعملية مثل هذه لم يكن ليكتب لها النجاح بهذه السرعة القياسية وبأقل الخسائر وبمنطقة جغرافية وعرة  ومتداخلة وضد تنظيمات تدار عبر أجهزة مخابرات في غرف عمليات (موك) لولا هذا التنسيق، لذلك كان يتطلب بالدرجة الأولى تأمين مقومات حسمها ونتائجها عبر تبادل للمعلومات في وضع الخطط وتنسيق للتحرك ضمن الخرائط وتكامل الأدوار لسد الطريق والثغرات أمام المسلحين وعدم منحهم أي فرصة للتنصل مابين جانبي الحدود.
وقد أدى حزب الله دور الماسترو في هذا التنسيق، بالتزامن مع التعاون مماثل الذي كانت تشهده العمليات العسكرية في عمق وشرق سوريا بين الجيشين السوري والعراقي والحشد الشعبي ضمن معركة الفجر الكبرى بمراحلها المتتالية، وبالتالي يمكن اعتبار هذا التنسيق والتعاون هو الأول من نوعه بين الجيوش العربية وبعيداً عن الضوء الأخضر الأمريكي منذ عام 1973.

2. كما أن هذه المعركة تضمنت أول عملية تعاون بين جيشان عربيان، أدى إلى استنفار وتدخل السفارة الأمريكية في بيروت لممارسة ضغوطها ودفع حلفائها اللبنانيين للمطالبة بوقف عملية التحرير، وتقديمها إغراءات وعروض بديلة عن ذلك للقيادة اللبنانية، تمثلت بنشر قوات مراقبة أو فصل عبر طول الحدود لأهداف غير معلنة، فأن عملية التحرير كانت ثمرة أول تعاون مباشر وعلني بكل المجالات بين الجيش السوري والمقاومة الإسلامية في لبنان، رغم أن بعض المعلومات تحدثت عن مشاركة تقنية وفنية واستشارية لبعض ضباط الجيش السوري خلال التصدي لعدوان تموز 2006، وهي رسالة حطت رحاها في تل أبيب.

3. رغم أن معركة الجرود والقلمون كانت من حيث الشكل تدور رحاها بين الجيشين السوري واللبناني والمقاومة من جهة والمجاميع الإرهابية من جهة أخرة، إلا أن الفاعل الأمريكي والإسرائيلي إلى جانب الفاعلين الإقليميين الذين كانت تضمهم غرفة موك ، كان وجودهم وتأثيرهم واضحة، سواء عبر تزويد المسلحين بخرائط التموضع أو الأسلحة، أو ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية لوقف العمليات العسكرية.
وبالتالي يمكن اعتبار الصراع الذي شهدته جغرافية سلسلة لبنان الشرقية ونظيرتها السورية منذ عامين، صراع مابين المشاريع المتناقضة على مستوى النظام الإقليمي والذي من شأن المنتصر بها أن يؤثر في تحديد ورسم شكل هذه المنطقة وتوجهاتها وهويته.

4. اسقطت معركة جرود لبنان مسعى الكيان الإسرائيلي والأمريكي والسعودي ، بتوظيف المجموعات الإرهابية لتشويه صورة المقاومة عبر الموازنة بين الأخيرة وهذه الماميع او التوصيف المقارن بينهما.
حيث يمكن لأي متابع لأسماء هذه التنظيمات (جيش الإسلام والنصرة وداعش) وغيرها من التسميات المنسوبة للدين الإسلامي، يدرك أن هذه التسميات لم تأتِ عن عبث، بل كان يراد منها تشويه الإسلام أولاً وصورة وسمعة حزب الله بتوظيف الحرب الناعمة ثانياً.
ومن جانب آخر أيضاً يمكن ملاحظة أن الدول الداعمة للتنظيمات الإرهابية سارعت لاستخدام أسلوب المقاومة وعقليته (من خنادق وأنفاق ..إلخ من وسائل حرب العصابات ) لاستهداف الحزب وسوريا بعدما عجزت هذه الدول عن تحقيق ذلك بشكل مباشر في عام 2006، كما أن هذه التنظيمات كان دورها السيطرة على الحدود الجغرافية المشتركة لاستهداف عمق المقاومة ونقاط تموضعها والبيئة الاجتماعية الداعمة للمقاومة عبر إحداث تخلخل أمنية، وإلصاق التهمة بحزب الله نتيجة مشاركته الحرب على الإرهاب إلى جانب سوريا.

5. الآثار الأمنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والنفسية التي تركتها عمليه التحرير المشتركة على الداخل الإسرائيلي، فهي تعتبر من المحطات الهامة في جمع بنك المعلومات واستهدافها بتقنيات عسكرية متطورة من طائرات مسيرة أو أسلحة متوسطة وثقيلة، وابرزت قدرة وكفاءة عسكرية قد تدفع بعض الخبراء العاقلين داخل الكيان الإسرائيلي للاقتناع ليس بجدية الحزب باجتياح الجليل فقط بل بأسلوب الاجتياح المباشر وبذات الطريقة بسبب وعورة الجرود، كما أن الحزب وظف خلال هذه المعركة قدرات إعلامية كان لها بالغ الأثر في التأثير على قيادات السياسية والعسكرية داخل إسرائيل قبل قيادات المسلحين سواء من خلال رسائل التهديد التي اطلقها الأمين العام لحزب الله قبل معركة وجدية ترجمة تهديداته، وبث كامل العمليات النوعية للحزب على وسائل الإعلام وتكرار رسالة التقدير الشكر من قيادة الحزب لعناصره في الميدان على غرار رسائل تموز المتبادلة، وضمن هذه المعركة أثبتت المقاومة مرة جديدة قدرتها على إدارة الحرب النفسية في زعزعة ثقة المسلحين ببعضهم والتفرقة بينهم وفرض رؤية الحزب والجيش السوري في نهاية الأمر، فضلاً عن أن معركة التحرير أظهرت القوة الفائضة التراكمية للحزب وجهوزيته بكافة الجوانب، مما حوله من قوة عسكرية وسياسية داخلية لبنانية إلى فاعل إقليمي مؤثر في التحولات الإقليمية، وهو مادفع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي للتحرك السياسي والدبلوماسي لفرض العزلة والعقوبات عليه داخل لبنان وخارج جغرافيته وهو محور الاتفاق الأمريكي مع رئيس حكومة لبنان خلال زيارته لواشنطن الأخيرة بما يساهم في توظيف أهداف زيارة مايك بامبيو لبيروت في آذار الماضي بجعل لبنان بين خيارين أما عقوبات وحصار شامل أو العودة للحرب الأهلية وتحييد الحزب وعزله.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً