عمر معربوني

كاتب وباحث لبناني في الشؤون العسكرية خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية

أرياف حلب وجهة الجيش السوري المقبلة

إذا ما انطلقت هذه العمليات ووصلت إلى تحقيق الهدف منها فسنكون أمام نقلة نوعيّة يمكن بعدها القول إن الحرب على سوريا قد سلكت طُرُق النهاية.

  • أرياف حلب وجهة الجيش العربي السوري المقبلة

لن تبقى مناورات تركيا صالحة إلى أجلٍ غير مُسمَّى بما يرتبط بتنفيذ تعهّداتها لجهة تفريغ المنطقة منزوعة السلاح من الجماعات الإرهابية، والمباشرة بفتح الطريق الدولي دمشق- حلب خصوصاً وأنّ المسافة المُتبقيّة تحت سيطرة الجماعات الإرهابية تُقارِب 100 كلم، وهي مسافة قد تبدو طويلة وتتطلَّب جهداً عسكرياً كبيراً لولا طبيعة تموضع وحدات الجيش العربي السوري التي تؤمِّن لها هوامش مناورة واسعة وحركية عالية للقوات المُتقدّمة، حيث أنّ وحدات الجيش ستعتمد التقدّم العَرْضي بإتجاه الطريق من الشرق إلى الغرب وليس التقدّم الطولي من الجنوب إلى الشمال وهو ما سنشرحه في هذه المقالة.
وانطلاقاً من اتفاقيات سوتشي وآستانة يبدو العمل سلماً أو حرباً قائماً على تعجيل إنهاء الحالة الإرهابية سواء التزمت تركيا أو لم تلتزم، خصوصاً وأننا أمام سابقة لم تشكِّل فيها نقاط المراقبة التركية أيّ عائق بوجه تقدّم الجيش العربي السوري، حيث لا تزال نقطة المُراقبة التركية في مورك قائمة ضمن نطاق سيطرة الجيش، وتتلقّى إمداداتها عبر طرقات يسيطر عليها الجيش العربي السوري بحماية ومواكبة روسية، والإشارة إلى هذه السابقة مهمّة بما يرتبط بأية عمليات لاحِقة.
أمّا لماذا الإشارة إلى أرياف حلب كمسرح عمليات لاحق؟
هذا أمر يرتبط بمسألتين إحداهما لها علاقة بأمن مدينة حلب، والثانية ترتبط بسهولة العمليات باتجاه الطريق الدولي انطلاقاً من محاور حلب. وعليه فلا بدّ من القول إن وضع مدينة حلب ثاني أكبر المدن السورية والعاصمة الإقتصادية يشبه في وضعه الحالي وضع العاصمة دمشق قبل تحرير الغوطتين الشرقية والغربية بشكلٍ كاملٍ، حيث تتعرَّض حلب بشكلٍ دائمٍ للقصف ليس فقط بالصواريخ بل بقذائف الهاون من عياري 82 و120 ملم حيث لا تزال المدينة على تماسٍ مباشرٍ مع الجماعات الإرهابية من الشمال عند جبهة الزهراء والمخابرات الجوية بشكل مباشر، وهي جبهة تتّصل بأحياء حلب يدعمها عُمق جغرافي للجماعات الإرهابية يبدأ من ضهرة عبدربو وكفرحمرة ويصل إلى بلدات حريتان وعندان وحيان بعُمقٍ يُقارِب 13 كلم وعرض يُقارِب 10 كلم، وهي بقعة يمكن تطويقها وعزلها عبر التقدّم المُتوازي شمالاً من العريمة وجنوباً من جمعية الزهراء، وهو ما يمكن أن نُسمّيه المحور الأول الذي سيؤمِّن لحلب مساحة الأمان الأولى من الشمال والشمال الغربي، عِلماً أنه يمكن توسيع طَوْق التقدّم جنوب غرب باتجاه قبطان الجبل نزولاً حتى الأتارب وصولاً حتى تفتناز.
محور آخر يمكن اعتباره المحور الثاني ويبدأ من جبهة الزهراء في الشمال الشرقي وينحدر نحو غرب حلب وصولاً إلى غرب خان طومان، مروراً بجبهات الراشدين 5 والبحوث العلمية والراشدين 4 وخان العسل والمنصورة، وهي جبهة عرضية سيكون ضرورياً على وحدات الجيش العربي السوري تفعيل العمليات العسكرية عليها جميعها لتشتيت جهد الجماعات الإرهابية وحرمانها من ميزة المناورة والدعم في حال تمّ التقدّم على محور واحد، مع الإشارة إلى أن هذا المحور ستتوازى فيه العمليات مع عمليات توسيع الطَوْق المذكورة في عمليات المحور الأول.
المحور الثالث للعمليات سيكون بالتأكيد مُنطلقاً من خان طومان بعد تحريرها لربط عقد الطريق الدولي الأساسية باتجاه الجنوب الغربي في منطقة راس القرميد، وصولاً حتى الزربة وهي عمليات ستتوازى مع عمليات أخرى ستنطلق من الحاضر نحو العيس وتلّة العيس وستشمل تل بانص وتل هدية غرباً، إضافة إلى تفعيل العمليات نحو تل مامو والإندفاع نحو الجنوب والغرب، بحيث تتوازى عمليات هذا المحور مع العمليات المُنطلِقة من أبو الضهور والمُتّجهة بشكلٍ أساسي نحو سراقب.
بالإضافة إلى هذه المحاور التي تقع في أرياف حلب الشمالية والغربية والجنوبية الغربية، من المؤكَّد أن تفعيل محاور ريف حلب الجنوبي الشرقي سيكون أكثر من ضروري للتقدّم نحو معرَّة النعمان.
إن وصول القوات إلى خان طومان والزربة وسراقب ومعرَّة النعمان سيكون المرحلة الأولى من فتح الطريق الدولي، وسيتمّ استكماله بعملياتٍ لاحقةٍ وربما مستمرّة ومُتوازِية من جبهة ريف اللاذقية الشمالية الشرقية والوصول من خلالها إلى جسر الشغور والتوجّه لاحقاً إلى أريحا، ومن ثم إلى إدلب التي ستتوجَّه إليها القوات المُتقدّمة من محاور حلب وأبو الضهور بعد السيطرة على مطار تفتناز ومدينة سراقب، وبذلك يصبح جبل الزاوية بكامل بلداته وقراه داخل الطوق.
أما لماذا سيُطلِق الجيش العربي السوري عمليّاته على هذه المحاور؟
فلأن الأمر ببساطةٍ يرتبط بسهولة تنفيذ العمليات بالنظر إلى المساحات المُنبسِطة التي تُشكّل المساحة الأغلب من مسرح العمليات، إضافة إلى خلّو المساحات من التجمّعات السكنية الكبيرة، ولأن ذلك يؤمِّن للجيش العربي السوري إمكانيات عالية في المناورة بالقوى والوسائط، ويحرم الجماعات الإرهابية من إمكانية التركيز على محورٍ واحدٍ حتى لو كانت العمليات مُكثَّفة ربما على محورٍ أكثر من محورٍ آخر، وهو ما سيدخل ضمن باب المناورة إضافة إلى عامل استخدام النار المُكثّفة حيناً والدقيقة حيناً آخر.
ولأن هدف العمليات القادمة هو الطريق الدولي M5 الواصل بين دمشق وحلب والطريق M4 الواصل بين اللاذقية وحلب، فهذا يعني إضافة إلى العمليات التي سيتمّ تنفيذها على المحاور المذكورة سابقاً وجود جهد سياسي ودبلوماسي موازٍ للعمليات العسكرية وبالتأكيد سيرافقه جهد إعلامي لمواكبة العمليات.
أخيراً لا بدّ من الإشارة إلى أن العمليات المذكورة ستتمّ بالتأكيد اعتماداً على أنماطٍ سابقةٍ استخدمها الجيش العربي السوري، وهي أنماط التطويق والعَزْل والإطباق والتي تتوافر لوحدات الجيش بشأنها كل ما يلزم من قوى وعتاد، إضافة إلى نقاط الإرتكاز الهامّة التي تتموضع فيها وحدات الجيش العربي السوري سابقاً وحرَّرتها من خلال العديد من العمليات العسكرية.
وإذا ما انطلقت هذه العمليات ووصلت إلى تحقيق الهدف منها فسنكون أمام نقلة نوعيّة يمكن بعدها القول إن الحرب على سوريا قد سلكت طُرُق النهاية، وبقاء مناطق جغرافية قليلة في منطقة إدلب تحت سيطرة الجماعات الإرهابية على شاكِلة جيوب سيتمّ العمل على إيجاد مخارج لها عبر الطُرُق السياسية والدبلوماسية لأنها بحسب النظرة التركية ستكون عبئاً مُضافاً على تركيا بالنظر إلى مخاطر ارتداد هذه الجماعات على الداخل التركي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً