قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

سبب صداقة ميلانشون وكوربن للعرب

أبعد من التأثير الفكري والنضالي الذي أخذ كوربن وميلانشون إلى مناصرة القضايا العربية، يجد الزعيمان نفسهيما في خندق واحد لمواجهة عدو مشترك في داخل بلديهما سواء كان هذا العدو الإرهاب أو النيوليبرالية ومصالح الشركات متعددة الجنسية أو منظومة الطبقة السياسية المتحكمة بمصائر الشعوب في الشرق الأوسط وفي أميركا وأوروبا.

الطنجاوي تشرّب الانتماء إلى القضايا العادلة في مقدمها قضية فلسطين

في بحر من القحط السياسي والخواء الأعم حيث يعزّ رجال الدولة، تبرز شخصيتان قياديتان بمنحى "كارزميّ" في بريطانيا وفي فرنسا مواليتان للقضايا العربية. ولعل انتماء كلّ من جان لوك ميلانشون في فرنسا وجيريمي كوربن في بريطانيا لهذه القضايا العادلة صقلت شخصيتهما الفكرية بوضوح الرؤى وبعزيمة قلّ نظيرها منذ أن باتت السياسة مهنة رابحة في أوروبا الأطلسية.

جيريمي كوربن الذي يقود حزب العمال البريطاني على قاب قوسين أو أدنى من الإطاحة بالسياسة البريطانية الاستعمارية كما يصفها، يعرّف نفسه بأنه من جيل فلسطين التي تقاوم الاحتلال والقهر. ومن فلسطين أخذه الانتماء إلى القضايا العادلة الأخرى في المنطقة العربية والعالم. ولعلّ أكثر المتنبهين إلى خطورة كوربن في قيادة حزب العمال الذي تخلّص من جناح توني بلير، هو اللوبي الصهيوني الذي يتهمه بمعاداة السامية ودعم الإرهاب في كل مناسبة ومن غير مناسبة. لكن هذا اللوبي في بريطانيا يرفده وافد سعودي كما عبّر عنه سفير السعودية في لندن محمد بن نواف في صحيفة "ديلي تيليغراف" اليمينية حين فاز كوربن برئاسة الحزب.

قاد كوربن حملة "أوقفوا الحرب" المليونية إبّان غزو العراق، وتمرّس بتوطيد نضاله في غزة وفي معارك المقاطعة ضد اسرائيل وفي رفض التدخل الأطلسي في سوريا والعراق. ولا يزال يجاهر على رأس الحزب بالدفاع عن إيران ومقاومة حزب الله، واعداً بتغيير السياسة البريطانية في الشرق الأوسط ومن ضمنها الاعتذار عن غزو العراق والتعويض عن الجريمة.

جان لوك ميلانشون المولود في طنجة المغربية عام 1951 لأب بسيط كان يعمل موظفاً في البريد، لا يعرف المشرق العربي بشكل وطيد كما يعرفه كوربن. لكن الطنجاوي تشرّب الانتماء إلى القضايا العادلة في طنجة وطيلة زواجه من مغربية مؤيدة لفلسطين، بحسب ما يتباهى في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي. ومن فنزويلا الذي جمعته بشافيز وزعماء أميركا اللاتينية في هيئة الدفاع عن الإنسانية"، تعرّف ميلانشون الذي انتفض على الحزب الاشتراكي الفرنسي وعلى تأثير فرنسوا ميتران، على القضايا العربية عن كثب. 
وفي أثناء الحملة الرئاسية الفرنسية صبّت عليه اللوبيات الصهيونية المتعددة ولا سيما نُخب الطبقة السياسية الصهيونية في اليمين والحزب الإشتراكي، ما لم يكن مألوفاً في فرنسا ضد زعيم مرشح للرئاسة يحظى بملايين الأصوات. فتهمة الاستبداد طالت ميلانشون لرفضه التدخل الأطلسي في سوريا والعراق وتغلغلت بين القوى المحسوبة على اليسار والإعلام المحابي لإسرائيل. وفي هذا السياق تعرّض ميلانشون لاتهمات بمعاداة السامية واتهامات مشابهة بتأييد الارهاب بسبب رفض العقوبات على إيران وتأييد مقاومة حزب الله.




يجاهر كوربن بتأييده لحقوق الفلسطينيين

أبعد من التأثير الفكري والنضالي الذي أخذ كوربن وميلانشون إلى مناصرة القضايا العربية، يجد الزعيمان نفسهيما في خندق واحد لمواجهة عدو مشترك في داخل بلديهما سواء كان هذا العدو الإرهاب أو النيوليبرالية ومصالح الشركات متعددة الجنسية أو منظومة الطبقة السياسية المتحكمة بمصائر الشعوب في الشرق الأوسط وفي أميركا وأوروبا. فجيريمي كوربن يربط بين تغيير المنظومة السياسية في بريطانيا وبين تغيير السياسة البريطانية الاستعمارية في الشرق الأوسط على وجه الخصوص. هذا الأمر جعل تيريزا ماي تصف كوربن بـ"زعيم تحالف الفوضى". في المقابل يقارع كوربن سياسة المنظومة بالدعوة إلى تغيير السياسة الخارجية البريطانية لمواجهة الإرهاب في داخل بريطانيا ولمواجهة نمو الإسلاموفوبيا والعنصرية والتيارات الفاشية في أوروبا، مثلما يدعو إلى تغيير سياسات الاتحاد الأوروبي لإعادة الحقوق الاجتماعية والسياسية للمواطنين الأوروبيين.

في الاتجاه نفسه يجدّف جان لوك ميلانشون على رأس حركة تضم حوالى 500 ألف مناصر. وقد نجحت في خضم حروب اليأس أن تنتخب كتلة برلمانية تضم 27 نائباً (مع حلفاء من الحزب الشيوعي) بينما فشلت مارين لوبان في حملتها لتشكيل كتلة برلمانية ولم تحصل على أكثر من 8 نواب. فالخوف من أعباء التغيير في فرنسا كما في بريطانيا يقطفه ايمانويل ماكرون في فرصة نادرة على طبق من ذهب، حتى أن الانطباع السائد في فرنسا لا يفاجئه انتخاب عصا إذا وافق على ترشيحها حزب ماكرون.

أشبه بمعجزة تهبط من السماء حسبما يردح معظم الإعلام الفرنسي، يتباهى ماكرون كنابليون في قبضة مع دونالد ترامب. أو في نقد الإعلام الروسي أمام فلاديمير بوتين. وعلى هذا النجاح الخارق بحسب الإعلام الفرنسي، بات يلقّب الرئيس بالزعيم أو يُطلق عليه وصف المشتري بصفة ملك الآلهة التي كان يعتقد بها الرومان في نظرتهم لكوكب المشتري. وبين هذا الحين وذاك ينتشر في أوساط الفرنسيين عامة تفاؤل بأن ينقذهم الشاب المعجزة من الشرخ الاجتماعي والتفتت السياسي بما يدعوه للتجديد والتحديث والاصلاح. فيتغيّب 60% عن المشاركة في الانتخابات النيابية ويأمل حوالى 30% من غير المتغيّبين أن تطمئن فرنسا إلى القادم من المجهول ومن العدم كما يُقال زيادة في إضفاء السحر على ماكرون. وهو في حقيقة الأمر حصيلة 70% من الحزب الاشتراكي في الانتخابات البرلمانية وحصيلة 70% من الحزب الجمهوري وحزب الوسط في الحكومة. وهذه الجموع كانت ماكرونية قبل ماكرون في أحزاب العالم القديم كما يسميه ميلانشون.

جيرمي كوربن يتبنّى قواعد مغايرة لقواعد منظومة الحكم القديم، بحسب وصفه. وجان لوك ميلانشون يقارع هذا العالم القديم بالمقاومة. وهي ما يسميها العالم القديم إرهاباً لكنها قد تكون الجامع الأساس بين زعماء العالم الجديد والقضايا العربية العادلة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات