حمزة أبو شنب

محلل وباحث في الشأن الفلسطيني

الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بين هزيمة 67 ونجاحات المقاومة

نجحت المقاومة بشكل واضح في نقل المعركة إلى أرض العدو إذ وصلت بصواريخها إلى نحو 80% من مساحة فلسطين واستهدفت جميع المدن الكبرى والمواقع الاستراتيجية، كما تمكنت من نقل المعركة إلى أرض العدو من خلال الأنفاق الهجومية، مما أبطل مفاعيل تأمين الجبهة الداخلية للعدو، رغم أن العدو نجح في نقل المعركة إلى داخل لبنان وقطاع غزة إلا أن الثمن الذي دفعه في الخسائر المادية والبشرية وفشله في تحقيق أهداف الدخول البري دفعه للانسحاب تحت ضربات المقاومة.

50 عاماً على النكسة لم تفشل قدرة المقاومة على ضرب العقيدة العسكرية الإسرائيلية

لم ترُق إسرائيل بحدود العام 1948 للقيادة الإسرائيلية لأسباب جيواستراتيجية وعسكرية، فأقدمت على احتلال بقية أرض فلسطين وأراض عربية أخرى، تمكنت إسرائيل في توجيه ضربة مدمرة للجيوش العربية معتمدةً على مبدأ الضربة الاستباقية، فقد نجحت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في تحقيق انتصارات حاسمة مكنتها من إحداث تغير على المستوى الجغرافي والعسكري، والمتمثلة في حصول دولة الاحتلال على عمق جغرافي استراتيجي بفعل احتلالها لكل من شرقي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان وسيناء، ما أدى إلى تحسين الوضع الجيو-استراتجي لإسرائيل تحسناً كبيراً.

وأضافت لإسرائيل عمقاً استراتيجياً مريحاً على الجبهة المصرية باحتلال سيناء، وعلى الجبهة الشرقية بعد إزالة نتوء الضفة الغربية الذي كان يمثل خطراً كبيراً على قلب دولة الكيان، بالإضافة إلى تقليص طول الحدود مع الأردن، فضلاً عن زوال الخطر العسكري السوري المباشر في هضبة الجولان، وأصبحت خطوط وقف إطلاق النار الجديدة تسند إلى عوارض جغرافية طبيعية كقناة السويس ومرتفعات الجولان ونهر الأردن.   

لقد زادت قدرة دولة الاحتلال على الدفاعية الاستيعابية، ما أضعف الحاجة إلى توجيه ضربة استباقية لمن تصنفهم أعدائها، وهذا سهَّل عليها نقل المعركة مبكراً لأرض عدوها وأصبحت تشعر بدرجة كبيرة من الطمأنينة، الأمر الذي مكّنها من تحييد جبهاتها الداخليةـ وأصبحت أكثر قوة على إدارة أية حرب مستقبلية خارج حدودها وداخل الأراضي التي تحتلها.
 

كل ذلك ساعد في تحقيق الاستراتيجية العسكرية عبر مبدأ المباغتة أو المفاجأة تمثلت في التضليل الذي سبق توقيت الهجوم في صباح 5 كانون الثاني/يونيو 1967 عبر طلعات يومية فوق البحر المتوسط ما دفع القيادة المصرية للتقدير بأن الطلعات روتينية، كما نجحت في مبدأ الضربة الاستباقية والتي تحققت بتوجيه ضربة ناجحة لقواعد سلاح الجو المصري، وتمكنت من إنجاز ضربتها واحتلال مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية والعربية بمبدأ الحرب الخاطفة، مبدأ نقل المعركة لأرض العدو تحقق بسرعة نقل المعركة البرية إلى عمق سيناء بعد الضربات الجوية الإسرائيلية، تحطيم القوة الجوية المصرية و الأردنية والسورية وتدمير القوات البرية في سيناء مكنها من تحقيق مبدأ الحسم.

وعلى إثر احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 انطلق العمل الفدائي الفلسطيني، كما قادت الدول العربية المجاورة لدولة الاحتلال حرب الاستنزاف عقب الهزيمة بهدف استعادة الأراضي المحتلة، وقد حققت حالة من الإرهاق المعنوي وتعرضت لخسائر مادية وبشرية، إلا أن إسرائيل نجحت في منع العرب من تحقيق أي مكسب على الأرض والعمل على تحقيق وقف إطلاق النار، وبالرغم مما حققته حرب 73 من نجاح للعرب وفشل للعقيدة العسكرية الإسرائيلية فيما يتعلق بمبدأ الردع بتقدير أن مصر مردوعة، والفشل بالإنذار المكبر للاستعداد الهجومي من قبل مصر وسوريا برغم ما ورد من إشارات ساخنة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية والاستخبارية، مما أفقدتها مبدأ الضربة الاستباقية. إلا أن ذلك لم يغير من نتائج ما حققه الكيان الصهيوني من عمق استراتيجي مكنها من الاحتفاظ بالجولان والضفة الغربية وقطاع غزة، وتحييد سيناء عبر توقيع اتفاق سلام مع مصر كما أخرجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي.

ما فشلت الدول العربية في تحقيقه نجحت قوة المقاومة الفلسطينية واللبنانية عبر سنوات متواصلة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بالإمكانيات المحدودة مقارنة بما تمتلكه دولة الاحتلال من مقدرات عسكرية، إلا أن تجربتها أفشلت مبادئ الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية ومكنتها من إجبار العدو الإسرائيلي على التراجع والانسحاب الأحادي من جنوب لبنان عام 2000 ومن قطاع غزة عام 2005، بعد تمكنها من تحييد العديد من الدول العربية خارج دائرة الصراع بتوقيع اتفاق سلام مع الأردن والإيقاع بمنظمة التحرير في شرك "الأرض مقابل السلام"، مما عطل مكامنها الفاعلة في مواجهة الاحتلال وانخراطها في مضمار مواجهة حركات المقاومة تحت مسمى "محاربة الإرهاب".

لا يمكن مقارنة قدرات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بقوة الدول العربية، غير أنها تمكنت من خوض حرب استنزاف متواصلة مع الاحتلال رفعت من قدراتها القتالية وأصبحت تخوض المواجهات الواسعة مع قوات العدو الإسرائيلي على كافة جبهات القتال، مكنتها من إفشال الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في مواجهاتها مما دفع العدو إلى إعداد عقيدة عسكرية تتواءم ومواجهات التهديد من فصائل المقاومة بإعلاء مبدأ الدفاع.

ولعل الخوض في تفاصيل أداء المقاومة وإفشالها للعدو في تحقيق أهدافه يطول، إلا أنه يمكن لنا الخوض فيما حققته المقاومة الفلسطينية أثناء عدوان 2014 والمقاومة اللبنانية عام 2006، فقد أفقدتا العدو مبدأ الردع بعدم خشية المقاومة الدخول في مواجهة مع العدو والاستعداد المسبق لأي عدوان، كما فشل الجيش الإسرائيلي في إخضاع المقاومة لشروطه، ولم يتمكن رغم التدمير والقتل من فرض الوقائع على الأرض، واستطاعت المقاومة الصمود لفترة طويلة.
 

فشل مبدأ الإنذار؛ فلم يستطع العدو توقع نوايا المقاومة في لبنان عام 2006 ولا نوايا المقاومة بالذهاب لمواجهة مع الاحتلال في عام 2014 ، كما فشل أثناء المعركة في الإنذار من نوايا حماس و فهم آلية صناعة القرار، لم تفلح إسرائيل في تحقيق مبدأ الحسم بتدمير قوة المقاومة أو نزع رغبتها في القتال، فقد دخلت المقاومة في حرب استنزاف منذ اليوم الأول حتى نهاية المواجهات، كما أسقطت مبدأ الهجوم الاستباقي نظراً لفشل العدو في تقدير موقف المقاومة بالذهاب نحو المواجهة، وسعت القيادة الإسرائيلية لتطبيق مبدأ الحرب الخاطفة بألا تتجاوز المعركة بضعة أيام، إلا صمود المقاومة على مدار 33 يوماً في لبنان و و51 يوماً في قطاع غزة أبطل حسابات العدو الإسرائيلي وأفشل مبدأ الحرب الخاطفة.
    

لقد نجحت المقاومة بشكل واضح في نقل المعركة إلى أرض العدو إذ وصلت بصواريخها إلى نحو 80% من مساحة فلسطين واستهدفت جميع المدن الكبرى والمواقع الاستراتيجية، كما تمكنت من نقل المعركة إلى أرض العدو من خلال الأنفاق الهجومية، مما أبطل مفاعيل تأمين الجبهة الداخلية للعدو، رغم أن العدو نجح في نقل المعركة إلى داخل لبنان وقطاع غزة إلا أن الثمن الذي دفعه في الخسائر المادية والبشرية وفشله في تحقيق أهداف الدخول البري دفعه للانسحاب تحت ضربات المقاومة.
  

خمسون عاماً على النكسة وهرولة التطبيع العربي لم يفشل قدرة المقاومة على ضرب العقيدة العسكرية، مما دفع الاحتلال لتصنيف حماس وحزب الله كتهديد، وإعلاء مبدأ الدفاع وتكرار مفردات الجبهة الداخلية وحمايتها وتأثرها وخشيتها من المواجهات، يقودنا للقول على مر السنين أن المقاومة هي الحل مع الاحتلال.      


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات