موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

عمّن أخذ "داعش" قطع الرؤوس؟

لم تكن وظيفتهم اليوم سوى نسخة مُكرّرة عن وظيفتهم في القرن التاسع عشر، وهي تصوير الشرقيين كمُتوحّشين وكخطرٍ على (الحضارة) التي ترتبط في العقل الأوروبي والأميركي بالغرب وحسب، وما عداه مجموعة من الأقوام البربرية والهمجيّة. وبتعبير المرجعية التلمودية (الأغيار، البهائم) الذين يستحقّون حسب هذه المرجعيه، الإبادة أو الترويض و الإخضاع في أحسن الأحوال.

لم يعادل روائح قطع الرؤوس ومصّ الدماء ودباغة الجلود ونتانة شوارع أوروبا في القرن التاسع عشر

نعرف ابتداءً أن الإسم الدارج للأميركان وهو العم أو الأنكل سام، يعود لجزّار كان يزوّد الجيش الأميركي باللحوم. ونعرف أن الهيئة الدولية الأعظم في العالم قامت على مسلخٍ سابقٍ للأبقار في نيويورك.

ونعرف أن البيض الأوروبيين الذين أسّسوا أميركا بعد الاكتشاف المؤسِف لها، قتلوا ملايين الهنود الحُمر، وواصلوا الذبح في الداخل  والخارج: في الداخل عبر الحرب على عمالة الزنوج (من رقّ الجنوب) إلى مصانع الشمال (الحرب الأهلية)، وفي الخارج عبر القنابل الذريّة على المُدن اليابانية، وقنابل الإبادة الجماعية في فييتنام وأفغانستان والعراق وغيرها.

وكانت لسعادة السفير الأميركي المُتنقّل بين بلدان أميركا اللاتينية، "نيغروبونتي"، أفكار أخرى  للقتل الفعّال (الصدمة والترويع) فاستعاد تكتيك (قطع الرؤوس) مُجدّداً بدلاً من البنادق  (الرحيمة) والمشانق ذات التقاليد الغابرة.

والحق أنه لم يكن (المُبدع الأول) لهذا التكتيك، فقد مارسه اليابانيون خلال احتلالهم للصين، ومارسه عملاء الإنكليز في الليلة المعروفة  بليلة السكاكين، عندما شاركوا النازيين في برلين ذبح مئات الناشطين اليساريين وقطع رؤوسهم.

وقد يكون الأصوليون ورجال الجنرال "سوهارتو" من عُملاء المخابرات الأميركية، قد سبقوا "نيغروبونتي" في مذابح  البلطات التي أودت بمليون شخص في أندونيسيا.

إلى جانب ذلك وعلى إيقاعه، لم يخلُ تاريخ البلطات من إيقاعات في عالم الآداب والفنون:

في السينما، لاتزال أفلام "سكورسيزي" تُعيد صوغ التاريخ الأميركي كتاريخ للبلطات، وخاصة  في فيلمه (عصابات نيويورك) ومثله كوبولا في (القيامة الآن) وخاصة في المشهد الأخير  للمتوحّش (المقدّس) في أدغال الميكونغ (صورة أخرى عن قلب الظلام في أدغال الكونغو) ..

ولم يعادل روائح قطع الرؤوس ومصّ الدماء ودباغة الجلود ونتانة شوارع أوروبا في القرن التاسع عشر، كما في رواية "زوسكند" (العطر)، إلا روائح مدارات ميلر، ودم الأبقار في الرواية الأميركية (إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك)

ولم يخلُ تاريخ الفنون من هذه المساهمة والشراكة المتوحّشة مع الحقول الأخرى، والحق أن الفنانين البدائيين وهم يرسمون على حيطان الكهوف، خطوطاً وصوراً لقطع رؤوس الفرائس و الخصوم بالبلطات، لم يتمتّعوا بالنوايا السيّئة ذاتها لرسّامي القرن التاسع عشر، فقد كان البدائيون  يؤمنون بالسحر التشاكلي أو المُحاكاة أو السببية البدائية، ولا يفرّقون بين خطوط الرمل والواقعة المنشودة.

أما في (الحُقبة الحضارية) للرأسمالية فقد كان الرسّامون يجنّدون من قِبَل دوائر الاستشراق الاستخباراتية، ويُرسلون في رحلة أو مغامرة بالجنيه الإسترليني أو الفرنك الفرنسي للتعرّف على الشرق ورسم (لوحات عظيمة) مقابل تزويد الدوائر المذكورة بلوحات تصوِّر الشرقيين، كقاطعي رؤوس يلعقون الدم بلسانهم بعد كل ضحية في الميادين العامة أو في بلاط السلطان.

ومع ذلك، فقد بلغت الوقاحة بأحفاد هذه الدوائر إحالة بلطات وسكاكين داعش وجبهة النصرة وأمثالهما إلى الشرق وثقافته، مُتناسين الشعار الشهير الذي مرّت من تحته أساطيل الغُزاة والنهّابين الأوروبيين (تمدين قاطعي الرؤوس المتوّحشين) ولم تكن البلطات سابقاً ولاحقاً إلا من اختراعهم، ولم يكن حَمَلَة البلطات، سابقاً ولاحقاً، إلا أدواتهم.

ففي قلم الاستخبارات البريطانية ولِدت الوهّابية، وفي سجن بوكا الأميركي في العراق، ولِد "داعش" وتزوّد بالبلطات والمصوّرين الذين لايقلّ احترافهم بالتصوير عن احترافهم بالقتل.

ولم تكن وظيفتهم اليوم سوى نسخة مُكرّرة عن وظيفتهم في القرن التاسع عشر، وهي تصوير الشرقيين كمُتوحّشين وكخطرٍ على (الحضارة) التي ترتبط في العقل الأوروبي والأميركي بالغرب وحسب، وما عداه مجموعة من الأقوام البربرية والهمجيّة. وبتعبير المرجعية التلمودية (الأغيار، البهائم) الذين يستحقّون حسب هذه المرجعيه، الإبادة أو الترويض و الإخضاع في أحسن الأحوال. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات