عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

عن السيّدة التي قصمت بموتها ظهر الغناء العربي

حكاية عشق جمعت السيدة أم كلثوم مع الموسيقار محمّد القصبجي، وإن من ناحيته على الأقل، أرّخت لمسيرة إبداعية بدت فارقة عن كل مسيراتها المشابهة مع ملحنين آخرين بارعين، مُتفوّقة برأينا وغريبة غرابة كل قصص الإبداع والتدّله.

السيدة أم كلثوم ومحمد القصبجي والموسيقار محمد عبد الوهاب

لمّا تُغنّي " السيدّة "، كأن شيئاً ما يحّل في الروح  يشبه التدّفق البطيء والناعم والمستمر، أو مثل الذوبان الذي يُنعش النفس ويُزيل أحزان الوقت، أو يغذّيها، لافرق. فعلاً عندما تغنّي أم كلثوم  هناك شيء يدلف من صوتها إلى أرواحنا، كما لو هو نحو حال انصهار والتحام في سبيلهما إلى تغذية شراييننا المُهترئة وتقويتها.

تُغنّي فتسكب إشراقات روحها الداخلية فينا بصوتها الأكثر حيوية وحقيقية ورفعة بكثير من الكلمات المُغنّاة.

عن السيّدة التي قصمت بموتها ظهر الغناء العربي، تُحكى حكايات مُستلّة من يوميات حياتها وأخرى من خيال تستدعيه الظنون. الأمر الثابت أن حكاية عشق جمعتها مع الموسيقار محمّد القصبجي، وإن من ناحيته على الأقل، أرّخت لمسيرة إبداعية بدت فارقة عن كل مسيراتها المشابهة مع ملحنين آخرين بارعين، مُتفوّقة برأينا وغريبة غرابة كل قصص الإبداع والتدّله. أيضاً، نُسّجل تحيّزاً واضحاً يعني ذائقتنا الموسيقية العربية الكلاسيكية، حيال كل ما أبدعهُ القصبجي لحناً لأغاني "الست" من دوره الكبير في تجديد الموسيقى العربية، الدور الذي أفسح لمكامن عَظَمَة هذا الملحّن الكبير ورفعته وتفرّده .

خلف هذا الإلهام الموسيقي للقصبجي ثمة ذلك البذل العاطفي الذي يُحرّكهُ الحب كما حدث حين عكف المُبدع والعاشق على تلحين: "رقّ الحبيب " مبتدعاً فيه معجزته الخاصة، مُنجزاً عملهُ عليها في خلال ساعات أربع فحسب، لتُشّكل هذه بعدها  مُنعطفاً على الصعيد الفنيّ والعاطفي أيضاً لدى القصبجي و" الست "، ذلك أن "رقّ الحبيب " كما أُشيع أعلنت باكتمالها نهاية القصبجي كملحّن أول لأغنيات أم كلثوم بعد أن بذل فيها كل إبداعه، ولم يعد في جعبته ما يُزيدهُ عليها، ما حدا بالست الى إقصائه جانباً من رهاناتها التلحينية، ومن رهاناتها العاطفية، مُستعينة بكل جديد من ملحّنين موهوبين سواه، خدمة لديمومة مسيرتها الغنائية الحريصة على التفرّد والاختيارات السخيّة.

بعد " رقّ الحبيب " ظلّ القصبجي خلف أم كلثوم ضمن تختها الشرقي، يعزف على عوده مرافقاً وقلقاً ومتوجساً من رفضها مطلق لحن جديد منه، في رغبتها إلى التجديد وإلى مبايعة السنباطي وسواه من المُجلّين في مجال التلحين. ثمة ذلك الاستبداد لتلك الأسطورة، ونعني أم كلثوم ويتمظهر في وضعها نقطة النهاية في تعاملها مع القصبجي بعد " رقّ الحبيب "، مُتعلّلة بعدم قدرته بعدها على الإتيان بجديد، هو الذي – وبشكل خاص – لحّن لها: "إن كنت أسامح وانسى الأسيّة" ناسفاً مع هذه الأغنية أساليب الغناء القديمة، مُفرداً حيّزاً واسعاً لعبقرية صوت أم كلثوم، واضعهُ في منعطف تاريخي هام في مسيرة الغناء، من النقلة الحضارية التي شابت اللحن، ومن سمة التعبيرية التي ارتقت ألى لغة العصر الذي عاش فيه. تهمة الكلاسيكية التي رمت أم كلثوم القصبجي بها كانت مُجحفة، فكلاسيكيته كانت كلاسيكية الثبات في الرفعة والثورة في آن على القديم، والسخاء والبذل في سبيل الارتقاء بفن الأغنية والموسيقى على حد سواء.

هو سوء الطالع والإجحاف المسؤول والمتعّمد الذي لحق بالقصبجي نتيجة الغيرة التي أصابت أم كلثوم من تعامل القصبجي مع صوت أسمهان في:"ياطيور" حيث يبدو جلياً هنا فكر القصبجي كما وجد في صوت ليلى مراد فكرته عن التغيير: "ياريتني أنسى الحب ياريت " كما تعامل مع فتحية أحمد ونادرة وحياة محمّد ونجاة علي وسواهن..

كلاسيكية كتهمة زائفة، لمّا أن القصبجي برع في المونولوغ واستخدم له من الآلات الغربية وطبيعة كل لون من ألوان الغناء العربي ( الكمان والفيولونسيل والكونترباص) كما حرّر الطقطوقة من صيغة اللحن الواحد التي شابتها وحرّك في جسدها كل أنواع إبداعه.

أنهت أم كلثوم العلاقة التي حضنت بدايتها الإبداعية الفنية مع القصبجي بضربة قاصمة ونهائية بعد: "رقّ الحبيب" ما أرخى وحشة ومرضاً ونبذاً على الموسيقار الكبير الذي تردّى بعدها إلى وحدة وعُزلة. كلمات الشاعر أحمد رامي الذي عانى بدوره جذوة عشق للست، كذلك ألحان الشيخ أبو العلا محمّد وداوود حسني وزكريا أحمد ظهّروا في صوت أعظم المجودات من نساء العرب، خصوصاً في: "الصّب تفضحهُ عيونه" و "جنة نعيمي في هواكي" و "حُسن طبع اللي فتّني" و "اللي حبّك يا هناه" ، سوى أن تعاونها الفنّي مع الموسيقار محمّد عبد الوهاب لم يلق إجماعاً سماعياً من جمهورها الذي تعوّد سماع الطرب الثقيل على ما يُقال.

رحلت السّت ورحل القصبجي ورحل الكثير من المُبدعين الكبار، ورحلت معهم خلافاتهم  بأسرارها وتفاصيلها، سوى أنها تبقى الخلافات التي قامت في جذرها الأساس على المنافسة الشريفة إلى الأجمل، وعلى النحو إلى الأفضل والأكمل، في ما بقي لنا، بعد عبق ذلك العصر، هذا الجذام الفني والرثاثة والغناء الرخيص، الشبيه تماماً بحالنا السياسية التي تطفو من دون قعر.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً