سلام العبيدي

سلام العبيدي، مدير مكتب الميادين في موسكو، قام بتغطيات لأحداث ساخنة كالحرب في الشيشان والعراق وليبيا وثورة مصر. له العديد من الوثائقيات.

مصير التسوية في سوريا

لغز بوتين باحتمال الاتفاق مع واشنطن، كذلك السعي المشترك مع تركيا للتسوية السورية وضرورة انتظار التغيرات السياسية الطبيعية في سوريا يحمل معانٍ كثيرة ربما ستجد ترجمة على الأمد المتوسط.

الجيوبوليتيك تفرض نفسها في الشأن السوري اليوم كهندسة سياسية مجسمة لها ثلاثة ابعاد

مصطلح الجيوسياسة، أو الجيوبوليتيك، هو كلمة مركبة وتتألف من كلمة جيو، وتعني الأرض، وكلمة سياسة. وبذلك فان هذا المصطلح يعطي معنىً ربما ليس مفهوماً تماماً لدى كثيرٍ من القرّاء. فما معنى سياسة الارض، او السياسة الارضيّة؟ في الواقع الحديث يجري عن جغرافيا انتشار التأثير السياسي، أو هندسة السياسة. وهنا لا بد من التمييز بين السطح والمجسم، اي بين السياسة الأفقية، او السطحية وبين السياسة المجسمة التي تتوغل طولا وعرضا وعمقاً لتشكل مجسماً ثلاثي الأبعاد او أكثر.

الخوض في هذه التعاريف والتفاصيل الهندسية المتعددة الابعاد ليس من قبيل الصدفة، لان المغزى يكمن في ضرورة تطبيق هذه المصطلحات السياسية والهندسية - الرياضية على الواقع السوري، نعم الواقع السوري، لانه لم يعد مشهداً كما يحلو للبعض وصف الكارثة التي ألمت بسوريا.

لنتناول الهندسة السورية من عدة زوايا وأضلاع. ثمة حديث يتكرر في الاونة الاخيرة في وسائل اعلام عربية عن لقاء مرتقب بين اردوغان والاسد وبوتين في روسيا لتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، طالما أن تركيا وروسيا بدأتا تطبيع العلاقات بينهما وتسعيان الى تطوير هذه العلاقات والاتفاق على حلٍّ في سوريا. لكن هذا الحديث يَصْب في مفهوم الهندسة المسطحة، اي انه سطحي، بلا عمق ولا يستند الى حقائق ولا يمت للواقع العملي بصلة، مجرد تأملات وتخيلات. الشيء الوحيد الذي يمكن ان يجمع تركيا وسوريا هو عدم السماح للأكراد بالاستفادة من الازمة، لكن العامل الكردي كان رهاناً على حصان خاسر على الدوام، كما اثبتت ذلك التجربة العراقية.

الجيوبوليتيك تفرض نفسها في الشأن السوري اليوم كهندسة سياسية مجسمة لها ثلاثة ابعاد على أقل تقدير، أي عدا السطح هنالك عمق وتراكمات.

بوتين يقول إن روسيا والولايات المتحدة يمكن ان تتوصلا في المستقبل المنظور الى اتفاق حول سوريا، وفي الوقت نفسه يدعو الى التريث في المطالبة برحيل الاسد. الرئيس الروسي يقترح اتاحة الفرصة لان تجري التغيرات السياسية في سوريا بصورة طبيعية ومن دون تدخلات خارجية. ماذا يعني صاحب الكرملين؟ وماذا قصد عندما قال: الأميركيون يهاجمون روسيا في حملتهم الانتخابية، لكنهم يبعثون لنا برسائل مطمئنة بان الامور ستتغير بعد الانتخابات؟

اذا كان مصدر هذه الرسائل إدارة اوباما ام الحزب الديمقراطي فان من الصعب بمكان التعويل على تجربة الماضي التي شهدناها قبيل ترشح اوباما لولاية ثانية عندما قطع وعد على الرئيس الروسي آنذاك ميدفيديف بانفراج في العلاقات الثنائية في حالة اعادة انتخابه.

في كل الاحوال كلام بوتين يشير الى ان روسيا تبحث عن خيارات للحل في سوريا، خيارات توازن بين مصالحها القومية وإصرارها على البقاء في سوريا وبين مصالح شركائها الاقليميين مثل ايران وتركيا ومصر، وفي الوقت نفسه لا تعمق الخلافات مع السعودية، كذلك تفتح افقاً جديدا للعلاقات المتوترة مع الغرب بسبب اوكرانيا. 

لغز بوتين باحتمال الاتفاق مع واشنطن، كذلك السعي المشترك مع تركيا للتسوية السورية وضرورة انتظار التغيرات السياسية الطبيعية في سوريا يحمل معانٍ كثيرة ربما ستجد ترجمة في الارض على الامد المتوسط (نهاية ولاية الاسد دستوريا). وقبل ذلك ستكون للرئيس الروسي جولات جديدة من المحادثات مع اردوغان والسيسي وبن سلمان على هامش قمة العشرين في الصين. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً