سلام العبيدي

سلام العبيدي، مدير مكتب الميادين في موسكو، قام بتغطيات لأحداث ساخنة كالحرب في الشيشان والعراق وليبيا وثورة مصر. له العديد من الوثائقيات.

الربح والخسارة في حسابات إردوغان

إذا وافقت وزارة الدفاع الروسية على العرض التركي فإن ذلك سيوفر عليها جهداً كبيراً وتكاليف باهظة للوصول جواً الى سوريا، بل سيجعل من الأجواء السورية مجالاً للتعاون في الحرب على الارهاب. قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن تكتل إقليمي جديد يضم كلاً من إيران وتركيا والعراق وسوريا وروسيا..

هل بدأت أنقرة بالتنسيق عملياً مع ما اصطلح على تسميته محور المقاومة؟

من كان يتوقع قبل بضعة أيام فقط أن أنقرة وموسكو ستتصالحان بهذه السرعة المفاجئة؟ ومن كان يتوقع أن بريطانيا ستصوت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي؟ ومن كان يتوقع أن ويلز ستلعب في نصف نهائي بطولة أوروبا لكرة القدم؟ أحداثٌ كثيرةٌ تقع على الرغم من التوقعات ودون سابق إشعار.
وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو يطلق مفاجأة من العيار الثقل اليوم بدعوته روسيا إلى محاربة داعش معاً، بل انطلاقاً من قاعدة إنجرليك في جنوب البلاد، حيث ترابط طائرات عدد من الدول المشاركة في التحالف المناهض للإرهاب بقيادة الولايات المتحدة. لكن رئيس الدبلوماسية التركية سرعان ما يتراجع عن كلامه. لماذا صرح ولماذا تراجع يندرج في إطار التكهنات!!!

إذا جددت أنقرة دعوتها لاحقاً وإذا وافقت وزارة الدفاع الروسية على العرض التركي فإن ذلك سيوفر عليها جهداً كبيراً وتكاليف باهظة للوصول جواً إلى سوريا، بل سيجعل من الأجواء السورية مجالاً للتعاون في الحرب على الإرهاب. وعلى الرغم من أن رجب طيب أردوغان أعلن قبل أيام أن موقفه من نظام الرئيس السوري بشار الأسد لم يتغير، إلا أن الوقائع اليوم بدأت تأخذ منحىً آخر، ألم نقل إن ما كان مستبعداً بالأمس أصبح واقعاً؟

ماذا لدينا في المعادلة الجديدة الآخذة في التشكل؟ أنقرة تبدأ التنسيق عملياً مع ما اصطلح على تسميته محور المقاومة، الذي يضم كلاً من إيران والعراق وسوريا والمقاومة الإسلامية، عبرَ روسيا التي تدعمُ هذا المحور سياسيّاً ومعنوياً وعسكرياً. هذا يعني أيضاً أن تركيا التي أخذت تكتوي أكثر فأكثر بنار إرهاب داعش تنوي محاربة هذا التنظيم بإرادة أقوى وفاعلية أكثر. هذا التحولُ يقود إلى الافتراض أن حزب العمال الكردستاني لن يبقى العدو اللدود الأول للدولة التركية، بل من غير المستبعد استئناف العملية السياسية بين أنقرة والجناح السياسي للحزب الكردستاني. يبدو أن الأتراك أيقنوا أن من مصلحتهم التعاون مع كل من إيران والعراق وسوريا في إيجاد حلٍّ سياسي للقضية الكردية في البلدان الثلاثة دون المساس بسياداتها ووحدة أراضيها. المهم في هذا الشأن أن روسيا تدفع باتجاه هذا الحل. على أقل تقدير فإن هذه المعلومات مستقاة من شخصيات برلمانية روسية رفيعة لعبت دوراً معيناً في تحقيق التقارب الروسي التركي.



السؤال الجوهري الآن: ما الذي يمكن أن يدفع أردوغان إلى هذه التحولات شبه الجذرية في سياساته الداخلية والإقليمية والدولية؟

١ـ داخلياً لم تعد تركيا قادرة على شن ثلاث حروب في آن واحد: ضد الأكراد، وضد داعش وضد سوريا. هنا لا بد من التذكير بأن الحدود التركية مع سوريا كانت آمنة عندما كان النظام قوياً في دمشق. وإذا كان حزب العمال الكردستاني يستهدف عادة الجيش والشرطة التركية بشكل عام، فإن داعش يستهدف المدنيين تحديداً للقتل والترويع بالدرجة الأولى. هذا ما لا يرضى عنه الرأي العام التركي.  

٢ـ إقليمياً بوسع القيادة التركية أن تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يعتبر نقطة تقاطع وتلاق وعبور بين أربع مناطق حيوية هي آسيا الوسطى والقوقاز وغرب آسيا وأوروبا. عملياً بوسع تركيا أن تصبح أهم محطة لنقل النفط والغاز والبضائع والمسافرين بين المناطق الأربع. أي أن تصبح Hub عملاقاً. وبذلك سيكون بمستطاع أردوغان إحياء معادلته "صفر مشاكل مع الجيران"، بدلاً من "صفر جيران بلا مشاكل مع تركيا".

٣ ـ دولياً، وبالدرجة الأولى أوروبياً، لم تعد تركيا تعلق آمالاً حقيقية على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ يفقد جاذبيته. الأوروبيون أنفسهم شرعوا في الخروج منه. بريطانيا هي التي فتحت باب الخروج من الاتحاد. أما العلاقة مع واشنطن فتمر اليوم ليس في أفضل فتراتها. وإذا أخذنا العلاقة مع إسرائيل فإنها لن تكون متينة على الأمدين المتوسط والطويل، نظراً لأن آفاق التعاون في مجال الطاقة مع إيران والعراق وروسيا وسوريا ودول آسيا الوسطى والقوقاز أكثر واقعية وربحية. زِد على ذلك أن موسكو لن تكون سعيدة إذا أظهرت تل أبيب منافسة في سوق الغاز الطبيعي، لذا نرى عملاق الغاز الروسي "غازبروم" يسعى إلى احتكار حصة كبيرة في المشروع الإسرائيلي، وهنا سيكون القرار تجارياً وروسياً وليس سياسياً وإسرائيلياً.

قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن تكتل إقليمي جديد يضم كلاً من إيران وتركيا والعراق وسوريا وروسيا، لكن الدول الخمس يقطنها زهاء أربعمئة مليون نسمة وتضم أهم شبكة لنقل الثروات الطبيعية وتنتج ما لا يقل عن ثلثي الغاز وثلث النفط الذي تستهلكه أوروبا، ناهيكَ عن المنافذ البحرية والطرق البرية والحديدية. إضافة إلى ذلك فإننا عندما نتحدث عن روسيا فإننا نعني معظم الفضاء السوفياتي السابق بثرواته ومقدراته وبناه التحتية.

أمام أردوغان إغراءات كثيرة،، وفرصة تاريخية للمساهمة بدور حقيقي في وأد الاقتتال الطائفي في العالم الإسلامي.

الرئيس فلاديمير بوتين قال مؤخراً وهو يخاطب سفراء بلاده في الخارج "إن داعش يشكل خطراً حقيقياً على العالم الإسلامي في المقام الأول". بوتين يعتبر روسيا جزءاً من العالم الإسلامي، لذا نراه حريصاً اليوم على المصالحة مع تركيا،، الكرة الآن في الملعب التركي!

ما الذي يمكن أن يدفع إردوغان إلى التحولات شبه الجذرية في سياساته الداخلية والإقليمية والدولية؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً