سلام العبيدي

سلام العبيدي، مدير مكتب الميادين في موسكو، قام بتغطيات لأحداث ساخنة كالحرب في الشيشان والعراق وليبيا وثورة مصر. له العديد من الوثائقيات.

ماتت الهدنة.. عاشت الهدنة.. بين حلب والرقّة

تفجيرات جبلة وطرطرس أرادت أن تضع روسيا في موقف مماثل لموقف الاتحاد السوفياتي السابق في أفغانستان. باختصار فإن مَن نفّذ هذه العمليات تصرّف وفق إرادة مَن وضع سيناريو أفغانستان السورية، أما الهدف فيكمن في تأليب السوريين في مناطق سيطرة الدولة السورية ضد التواجد العسكري الروسي، اليوم يسمع مثل هذه الأمزجة في شوارع جبلة وطرطرس واللاذقية، اللعبة كبيرة والرهان أكبر والخصوم هم أنفسهم: في حرب أفغانستان دمشق كانت العاصمة العربية الوحيدة التي وقفت بشكل مُطلق إلى جانب موسكو ضدّ المحور الأميركي - السعودي - الجهادي.

تفجيرات جبلة وطرطوس ( أ ف ب )

نجاحات الجيش السوري بمساعدة روسية شبه مُطلقة أرعبت كثيرين إقليمياً ودولياً. قبل أشهر لمّح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في حديث مع دائرةٍ ضيقة من الشخصيات إلى أنه سيعتبر الحملة العسكرية الروسية في سوريا ناجحة إذا استطاع الجيش السوري وحلفاؤه تحرير الرقّة من داعش. وفُهم من كلام كبير العسكريين الروس أن معركة تحرير الرقّة هي سباق مع الزمن، بل ومع الشريك الأميركي "اللدود"، ولكن وقبل كل شيء، وفق الوزير شويغو، يجب حسم المعركة في حلب. وما أن لمّح رئيس الحكومة السورية وائل الحلقي إلى أن معركة تحرير حلب من "جبهة النصرة" وغيرها من الجماعات المُسلّحة باتت وشيكة حتى بدأت الحملات الإعلامية من كل صوب وحدب تنهال بسهامها على موسكو ودمشق، ما استدعى العاصمتين الحليفتين إلى تكذيب هذه "الادعاءات".

خرق الهدنة بين الحين والآخر من قِبَل جماعات مُسلّحة تعتقد روسيا إنها تنضوي تحت راية الإرهابيين لم ينجح في إفشال المصالحات التي أخذت بالازدياد من يوم الى آخر. الوقائع الميدانية لم تكن مُفرحة للجماعات الميدانية ولا للقوى الخارجية التي لا تزال تطالب برحيل الرئيس بشّار الأسد، أما آفاق "تحرير" حلب ومن ثم الزحف إلى الرقّة ودير الزُّور فقد غدت كابوساً لخصوم الحل السياسي على الطريقة الروسية - السورية. هذه المُعطيات أقل ما يمكن أن يُستنتج منها هو اهتزاز التفاهم الروسي - الأميركي. وهذا ليس مُستغرباً بين طرفين يتحدّثان في العلن عن شبه شراكة في سوريا، وفي الخفاء يبيتان النيّة في إذلال أحدهما الآخر. ومن هنا يمكن التخمين بأن معركة حلب الروسية التي كانت مُنتظرة ستندلع ليس بعد معركة الرقّة المُخطّط لها أميركياً.  هنا نُسقط العامل الكردي لأن تجاربهم في العراق أثبتت أن التحالفات معهم لا تدوم طويلاً، وهذا قد ينطبق على علاقتهم بموسكو التي لطالما دافعت عن حقوقهم لكنها لم تفلح في نيلِ وفائهم.

في التاريخ يوجد شاهد قويٌّ ألا وهو معركة برلين. الجيش السوفياتي في أيار / مايو عام ١٩٤٥ تحرّك بسرعةٍ مُذهلةٍ وبثمن مئات الآلاف من جنوده لبلوغ عاصمة النازيّة قبل أن تصلها جيوش الحلفاء الغربيين التي لم تواجه أية مقاومة ألمانية. في المحصّلة الروسي استولى على الريشستاغ - معقل هتلر - وغرس فيه العلم الأحمر تلك كانت بداية لتقسيم أوروبا واندلاع الحرب الباردة الأولى،، أما اليوم فإن العلاقات بين موسكو وواشنطن قطعت شوطاً في الحرب الباردة الثانية بعد أوكرانيا، في حين أن سوريا بحلبها ورقّتها غدت خط المواجهة على غِرار خليج الخنازير في كوبا.

تفجيرات جبلة وطرطرس أرادت أن تضع روسيا في موقف مماثل لموقف الاتحاد السوفياتي السابق في أفغانستان. باختصار فإن مَن نفّذ هذه العمليات تصرّف وفق إرادة مَن وضع سيناريو أفغانستان السورية، أما الهدف فيكمن في تأليب السوريين في مناطق سيطرة الدولة السورية ضد التواجد العسكري الروسي، اليوم يسمع مثل هذه الأمزجة في شوارع جبلة وطرطرس واللاذقية، اللعبة كبيرة والرهان أكبر والخصوم هم أنفسهم: في حرب أفغانستان دمشق كانت العاصمة العربية الوحيدة التي وقفت بشكل مُطلق إلى جانب موسكو ضدّ المحور الأميركي - السعودي - الجهادي.

كل الوسائل والأساليب مُحلّلة في حروب السيطرة والهيمنة وإملاء الإرادة بدءاً من أوكرانيا، البلطيق، سوريا، الخ. 

واشنطن تستمر في الزحف باتجاه أراضي روسيا وتطويقها بالبُنى العسكرية لحلف شمال الأطلسي مثل الدرع الصاروخية، روسيا تردّ على هذه التهديدات بما تمتلك من وسائل مباشرة وأساليب مُتاحة، معركتا حلب والرقّة وربما معارك أخرى ستدخل في سجلّ المواجهة الروسية - الأميركية يبقى أن نأمل بأن السوريين والعراقيين وغيرهم من العرب لن تضيع أقطارهم ولن يضيّعوا هم أنفسهم كهويّات في هذه المعارك التي تترواح وسائطها بين التوحّش وغسل الأدمغة والتهجين.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً