وفاء العم

إعلامية بحرينية عملت مذيعة في تلفزيون الميادين، كتبت مقالات عدة في الشؤون الخليجية.

حافظ الشيرازي

"تطل عليك عبر نافذة السيارة بفارسية راجية وحجاب ملفوف لا يخفي البراءة والنقاء الكثيرين. تتسوّل ما تيسر لديك من قروش" هكذا يستدعيك حافظ الشيرازي عبر طفلة تحمل بين يديها رزمة من أشعاره تمنحك البراءة والنقاء. ويمنحك هو من أشعاره نصيباً. إنه فأل حافظ.

  • ضريح حافظ الشيرازي
وجودنا يا حافظ لغز كبير .. الإجابات عبث والحلول أساطير. 

هذا الرجل كنز من كنوز الأدب العالمي. ومن عظماء شعراء الغزل الإيراني. جميل هو شعر حافظ ورائعة هي تساؤلاته الفلسفية، هذا الفارسي العرفاني عن سرّ الإنسان والوجود يسأل و عن العشق يخبرك. و إلى عالم الملكوت السماوي بشعره يأخذك، ويهبط بك إلى الأرض وأنت مازلت في سكرة السماء. آية في الجمال والحب شعر إبن شيراز.

يسمّيه الإيرانيون "لسان الغيب"، يستخدمونه للتفاؤل إنه مرشد العشّاق والمهمومين.

 

في منطقة دربند مقصد السياح والمواطنين تفترش العصافير الأرض، فيها يحضر فأل حافظ مجدداً، تختار لك العصفورة ظرفاً عصفورة لا تشبه عصافير البوليس طبعاً. يكشف لك حافظ عن مكنونات نفسك ببيت من غزليّاته.

 

يشبه ديوان هذا الرجل الكتب المقدّسة وهو يحظى بقدسية لدى الإيرانيين ولأشعاره معانٍ كثيرة تلامس حياتهم ووجدانهم.

 

في محلات الذهب والفضّة صيغ من أشعاره القطع الحلق والسلسال والإسوارات، وفي براويز الحيطان اختيرت أشعاره بدقة ولوحات فنية استلهمت من شعره ألوانها، حتى على "إيشاربات" المحجّبات كُتبت تلك الأشعار بالفارسية القديمة.

 

في الحقيقة إن الأمر لا يتعلّق بعبقرية حافظ وإبداعه فقط، وإنما الأمر يتعلّق أيضاً بالإيرانيين، بأبناء زرادشت وجمشيد أنفسهم.

لافت كيف يتعاملون مع حضارتهم وتاريخهم وتراثهم، لافت ذلك الاحترام حيث يتجسّد في زوايا البلد وزقاقه. لم يلغ التاريخ باسم الجمهورية الإسلامية ولصالحها. لم تأتِ الثورة أو ربما لم تستطع إحداث قطيعة مع الماضي وكأن التاريخ بدأ من لحظة إعلان الجمهورية الإسلامية.

إن قلبي أصبح متعباً من الصومعة وخرقة النسك
فأين دير المجوس، وأين الشراب المصفّى أين؟!

إبن الحافظية في زمن آل المظفر يسأل عن دير المكَوس بالفارسية، "الزرادشتيه" معابدهم في منطقة يزد. ليسوا متوارين عن الانظار، أصحاب إرث أول ديانة توحيدية في العالم، وارثو الأساطير الهندو- إيرانية، كما لا يتوارى الإيرانيون عن حقيقة أنهم زرادشتيون قبل اعتناقهم الإسلام ديناً، هناك اعتداد بـ "فارافاهار" رمز الديانة.

في سيارة الأجرة التي استقلها يومياً يعلّق السائق "فارافاهار" على المرآة الأمامية للسيارة، اسأله: ما هذا الذي تعلّقه؟ يُجيب مبتسماً بالطريقة الإيرانية رمز "زاراتوشت" .. هل أنت زرداشتي؟ يومىء برأسه نافياً:" أنا مسلم".. أبتسم أنا خَجِلة من حالنا.

 

في قلب الجمهورية الإسلامية تنبض كل المتناقضات، لا يهم أن تكون مسلماً، زرادشتياً أو مسيحياً المهم أنك إيراني، وقد لا يكون الجميع مرتاحاً او متجانساً أو منسجماً مع جمهورية آيات الله من حيث الهوية، ولكن أن تكون مسلماً تحب زرادشت فهذا أمر تضع تحته ثلاثة خطوط حمراء من الاحترام.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً