حمزة أبو شنب

محلل وباحث في الشأن الفلسطيني

حماس ومصر خطوات بناء الثقة

منذ زيارة رئيس حركة حماس في قطاع غزّة يحيى السنوار منتصف يونيو الماضي للقاهرة، والعلاقات بين مصر وحماس تشهد تحسناً ملحوظاً، وتوالت الوفود الحمساوية إلى القاهرة للتباحُث بالموضوعات السياسية والأمنية ومحاولة تخفيف مُعاناة سكان قطاع غزّة.

يُدرك النظام المصري وحماس بأن العلاقات بينهما لن تصل إلى رؤية استراتيجية

قبل أيام حلّ المكتب التنفيذي لحركة حماس برئاسة إسماعيل هنيّة رئيس المكتب السياسي ضيفاً على القاهرة لعقْد لقاءات مع الجانب المصري وترتيب ملفاته الداخلية، وتأتي هذه التطوّرات بعد توليّ يحيى السنوار قيادة حماس في غزّة ثم إسماعيل هنية رئاسة المكتب، التي يُحسب لها تحقيق اختراقات هامة على صعيد العلاقات الفلسطينية الداخلية أو العلاقات الخارجية كمصر وإيران. تُرجِمت الزيارات المُتعدّدة لوفود من حماس إلى القاهرة، بخطوات عملياتية على الأرض، بتعزيز القوى الأمنية من الإجراءات الأمنية على طول الحدود بين قطاع غزّة ومصر، وإقامة منطقة عازِلة لتحدّ من تسلّل العناصر المُنحرفة فكرياً.

 

كما أدانت حركة حماس في بيان رسمي العمليات التفجيرية التي حصلت في سيناء  في شهري يوليو وسبتمبر، والسماح للجالية المصرية في قطاع غزّة بإقامة بيت عزاء لقتلى الجيش المصري، وقد أَمَّ وفد من حماس برئاسة هنيّة بيت العزاء للتعزية. وعملت حماس على تحسين صورة مصر في الإعلام عبر التوقّف عن مُهاجمة الجانب المصري، وتحدّث قياداتها بصورة إيجابية تجاهها كان أبرزها حديث السنوار خلال لقاءاته مع الصف التنظيمي لحماس ومجموعة من الإعلاميين والكتّاب بأن حركته "أحدثت اختراقاً استراتيجياً في العلاقة مع مصر"، وأن قنوات الاتصال دائمة معهم. على الجانب المصري فقد سمحت مصر بإدخال كميات مُنتظمة من السولار إلى قطاع غزة، ولم يتوقّف ذلك برغم تعقيدات الأوضاع الأمنية في سيناء واستهداف قوة من الجيش المصري في بداية يوليو من العام الحالي.

 

كما عملت على تخفيف أزمة معبر رفح بتسهيل سفر حجّاج القطاع، بمن فيهم قيادات من حركة حماس، وسفر جزء من العالقين والمرضى، كما انخفضت وتيرة هجوم الإعلام المصري على حماس بصورة واضحة بعد العمليات ضدّ الجيش المصري في سيناء وهو ما لم يحدث في السابق. كما توجّت خطوات بناء الثقة باستقبال القاهرة المكتب التنفيذي لحركة حماس في مصر برئاسة إسماعيل هنيّة لعقد لقائه الوجاهي الأول منذ تشكيله في مايو من العام الجاري. وعُقدت مجموعة من اللقاءات مع المخابرات المصرية عزّزت حماس خلالها الرعاية المصرية لملف المصالحة الفلسطينية الداخلية ، بعد تراجع دورها خلال السنوات الثلاثة الماضية، وقد أصدرت حماس بياناً دعت فيه الرئيس محمود عباس إلى التوجّه إلى القاهرة لإتمام المُصالحة، وقبولها حلّ اللجنة الإدارية بصورة فورية، مقابل استضافة مصر اجتماع موسّع للفصائل الفلسطينية ينتج منه تشكيل حكومة وحدة وطنية. 

 

الرؤية المصرية للمُصالحة الفلسطينية مقبولة من مُعظم الفصائل الفلسطينية، ونحن أمام سيناريوهين الأول : هو قبول الرئيس عباس الطرح المصري ما يعني أن العَجَلَة في قطار المُصالحة عادوت الدوران، والثاني وهو المُرجّح بأن الرئيس عباس لن يقبل ما هو مطروح بشكله الحالي، وسواء قبِل الرئيس أو لم يقبل ستمضي مصر في خطواتها تجاه قطاع غزّة وسترحّب بعقْد لقاءات فلسطينية_ فلسطينية. إلا أن ثمة أطراف عدّة تؤثّر في طبيعة العلاقة بين مصر وحماس، وربما التوقيت يفرض نفسه على الخارطة السياسية في المنطقة العربية، في ظلّ تعقّد المشهد، وحدّة الاصطفافات بين الدول العربية، فمصر تُقاطع قطر المُستضيفة لجزء من حركة حماس، والعلاقات بينها وبين تركيا الصديق الثاني لحماس مُتوتّرة.

 

لن تؤثّر المفاعيل الخارجية في خفْض أو رفْع مستوى العلاقات، طالما بقيت المصالح الحمساوية المصرية هي المُحدّد الأساسي في التفاهُمات بينهما، ستسعى مصر إلى تخفيف الحصار على قطاع غزّة، والسماح بإدخال بعض البضائع والمحروقات، وستسعى إلى عمل شبه مُنتظم لمعبر رفح، من دون فتحه بصورة كاملة، لما تشكّله هذه الخطوات من استقرار أمني في سيناء. أما إسرائيل فهي تُراقب ما يدور، وتسعى بأن تُخفّف الإجراءات المصرية من حدّة الأزمة الإنسانية، ما يؤجّل أيّ انفجار في وجهها قد ينطلق من قطاع غزّة، أما الحسابات الفلسطينية الفلسطينية، والعلاقات العربية الداخلية، ربما تشكّل لها فرصة لتعزيز تقاربها مع بعض الدول الخليجية. تأزّمت العلاقات بين مصر وحماس في العديد من المحطّات، إلا أن أحداث 3 يوليو من العام 2013، التي نتج منها إنهاء حُكم الرئيس المصري محمّد مرسي وإقصاء جماعة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي المصري، أدّت حالة واضحة من القطيعة، إذ صُنّفت حماس في المحاكم المصرية بأنها حركة إرهابية، وتم تحميلها جزءاً من حال الفلتان الأمني في مصر كاقتحام السجون والتدخّل في سيناء.

 

علماً بأنه في الفترات السابقة كان هناك نوع من الاستقرار و التفاهم في بعض القضايا، ففي عهد مبارك كانت مصر راعية اتفاقيات المُصالحة والتهدئة، وقُبلت كوسيط من قِبَل كتائب القسّام في ملف تبادُل الأسرى، أما في عهدي ثورة 25 يناير 2011 والرئيس مرسي، فشهد التنسيق والتعاون مراحل متقدّمة جداً، وساهمت الأجهزة الأمنية في قطاع غزّة في إفشال العديد من المُخطّطات التي كانت تستهدف النظام في سيناء. يُدرك النظام المصري وحماس بأن العلاقات بينهما لن تصل إلى رؤية استراتيجية، فمصر تؤمن بالحلّ السلمي لقضية فلسطين بالقبول بحلّ الدولتين، بالإضافة لأبرامها معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية في العام 1979، فضلاً عن النظرة السلبية لدى بعض الأجهزة الفاعِلة  في الدولة بسبب ارتباط حماس بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، والتي تعتبر السلطة الفلسطينية هي "العنوان" الرئيس للقضية الفلسطينية، وأن ملف حركة حماس سيبقى كملف أمني من اختصاص جهاز المخابرات. 

 

أما حماس فهي تعي بأن التقارُب مع مصر مسقوف بالعديد من المؤثّرات الداخلية والإقليمية، فطموح حماس الوطني مُرتفع مُقارنة بالرؤية المصرية، كما أن الاتفاقيات المصرية مع إسرائيل تُلزِم المصريين بالتعاون في مكافحة تهريب السلاح إلى قطاع غزّة، وقد بذلت الأجهزة الأمنية جهداً مؤثّراً في مُلاحقة خطوط التهريب، ولعلّ الموقف الإسرائيلي المُسانِد لخطوات الجيش المصري في 3 يوليو2013 والتسويق له في العواصم الأوروبية، يُلزِم مصر باستحقاقات ميدانية في محاربة التهريب. اذاً فكلا الطرفين يوقن بمحدودية العلاقة بينهما على جميع الأصعدة إلا أن كلاً منهما يحتاج الآخر، فمصر تُدرك بأن حماس قوة مؤثّرة على المشهد السياسي الفلسطيني، وسيطرتها على قطاع غزّة وهي الحدود الشمالية الغربية لمصر، تجعلها الفاعِل الأقوى في أهمّ بوابات النفوذ المصري للقضية الفلسطينية،  كذلك الوعي الحمساوي الموقِن بأن مصر بوابة إجبارية لا يمكن التخلّي عن العلاقة معها بحُكم الجغرافيا السياسية، وحضورها الفاعِل في ملفات العلاقات الفلسطينية والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، وبناء عليه سيتواصل التعامُل بينهما في إطار محدودية كل طرف منهما، في إطار نظرة كل منهما للآخر.

 

نجحت حماس والقاهرة في تذليل العقبات وإزالة أجواء التوتّر، واستعادة مصر زِمام المبادرة في ملف المصالحة الفلسطينية، وستمضي مصر في خطواتها تجاه تحسين الأوضاع الإنسانية في قطاع غزّة. وستتعزّز العلاقات بين حماس ومصر خلال المرحلة المقبلة ومن المُرجّح أن  نجد قيادات وازِنة تُقيم في القاهرة لتمتين العلاقة، وستشهد العلاقات بين حماس ودحلان مزيداً من الخطوات تجاه تطوير العلاقات والتفاهُمات بينهما. 

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات