محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

انحدار محور وصعود آخر

لاشك أن التاريخ يسير ببطء لكنه يُسجّل كما يقول "نهرو"، ولكن يبدو واضحاً أن المستفيدين من هذا السير البطيء هم محور الروس ،والصين، وإيران، والمقاومة، وأن الذين يردّدون نغمات الماضي المشحون بحب الهيمنة وسوء التقدير لمفهوم الصراع على أكثر من ساحة هم الذين لا أقول يتملّكهم الفزع من تسارُع الأحداث ولكن يدفع بهم إلى التواري فيها بشكل فجائي.. إن مسايرة غبار الأحداث بتواطؤ معها بدل مسايرة الجرح الدامي فيها هو بالتأكيد علامة من علامات الغباء المُنظّم، وأن الذين يتصرّفون بمنطق التاريخ وقوة الجغرافيا هم بالتأكيد القادرون على استيعاب الواقع والانتصار لنتائجه كما تفعل روسيا والصين وإيران اليوم.

إيران في مواجهة الغرب هي قوة وظهير لروسيا والصين، ثُلاثية ذهبية نشأت بالأساس من عُمق الجرح الذي فتحته الولايات المتحدة الأميركية

ليس هناك أمر يؤجّج الحكمة على مستوى التعرّف أكثر من ذلك الرصيد في الهدوء الذي يحمله رجل التاريخ.. الظاهر من بؤس التوتّر في الأحداث أنها بقدر ما هي مُصطنعة ولأسباب اقتصادية هي أيضاً قائمة على أسس غير واضحة بين سياسة القول وسياسة الفعل.. هناك خلط واضح بين الفكرة والمنهج في كثير من الأحداث التي تمارسها من وراء الستار كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، السياسة لديهما قائمة على أضواء الماضي الاستعماري بغلاف مموّه بالديمقراطية وأحياناً بالتهديد باسم حقوق الإنسان، أي أن المُتاجرة بالقِيَم لديهما أشبه بالمُتاجرَة بحقول براميل النفط ولا مانع  لديهما بشنق القانون الدولي وذبح الأخلاق في القِيَم المسيحية التي يدّعون الانتماء إليها.. ببساطة نحن أمام صفوف من الخرْق لكل الأعراف، خروق شبيهة بتلك الصيحتين التي صرخ بهما فرعون في وجه التاريخ "ما أريكم إلا ما أري " "وأنا ربكم الأعلى ".

 

في أرشيف المخابرات الأميركية من الرسائل الإيرانية ما يجعل أميركا تُراجع كل حساباتها، لقد بدا ذلك واضحاً منذ إنزال طائرة جي 170 من دون طيّار، والتي قالت فيها الأجهزة الأميركية بأن الطائرة لا يُمكن حلّ شفرتها وكان العكس، وهي الآن بكل ما فيها من معلومات ضمن أرشيف القوة العسكرية الإيرانية.. إذن، إيران في مواجهة الغرب هي قوة وظهير لروسيا والصين، ثُلاثية ذهبية نشأت بالأساس من عُمق الجرح الذي فتحته الولايات المتحدة الأميركية لكل واحدة منها. فالصين حُرِمَت من حقّها في مجلس الأمن لعدّة سنوات، وروسيا أُهينت في حُكم "بوريس يالتسين" حتى أن هناك من الروس مَن مازال يتذكّر وقتها كيف أن أميركا دخلت روسيا وسارت بتوزيع الشوكلاتة من على ظهر المركبات كتعبير منها على مدى الاحتقار الذي تؤمن به وتؤمّنه للشعوب، أما إيران فيكفي ما عانته من الحصار، و ما لحقها من حروب إعلامية، واستخباراتية وقتْل لعُلمائها... هذه الجروح تجعل من الثلاثي على مسافة واحدة، في مواجهة أميركا، والثلاثة مع "لبريكس" يُمثّلون العدد الأكثر من سكان المعمورة، والقوة الاقتصادية فيها تتجاوز بكثير ما عليه أميركا، وأوروبا اقتصادياً  فضلاً عن الأرمادة العسكرية للدول الثلاث.

 

أمام هذا المحور أشياء جديدة، من أهمّها إعادة الثقل السياسي العالمي إليه، إما بالتسويات وإما بعمليات القضْم لأجزاء من أوروبا لصالح دول تنشأ من جديد، خاصة وأن أوروبا تعاني من ثقل السياسة ذات التوجّه الاستعماري، أي أنه مازال بعض دولها يحسّ بأن له حق السيادة على تلك المناطق التي كانت ذات يوم تحت قوتها العسكرية، وخاصة فرنسا، وهي - بالتالي - لا تزال تعيش أوهام الماضي عوض البحث عن حلول لمشاكلها الاقتصادية وفتح باب المستقبل لنشر سياستها، وبناء على ذلك لازالت تؤمن بأن ما سُمّي في زمن ما بالعالم الثالث، أو منطقة الجنوب هو سوقها ومساحة خاماتها، وهي نظرة غير واقعية، ولا يمكن أن تتحقّق لا في القريب ولا في البعيد، فصحوة الشعوب في أوجها والذين يقفون من أجلها في الثلاثي المذكور سابقاً هم أيضاً يؤمنون بالمستقبل، ولكن بالشراكة، القائمة على التوافق في المصالح والأهداف.

 

ومن هنا، فإن ما أُثير حول جزيرة القرم، من أجل تحجيم روسيا أعطى نتائج عكسية، نتائج استفادت منها روسيا وإيران وسوريا، فروسيا أعادت إليها جزيرة القرم، وإيران خُفّف عنها الضغط السياسي، وسوريا أيضاً تنفّست لأن أنظار الاستعماريين تحوّلت إلى أوكرانيا وما قد ينجر عنها قد يأخذ أوروبا إلى الحافات الكبرى، والحقيقة - من وجهة نظري على الأقل –  أن روسيا تحاول تهدئة الوضع والابتعاد عن الضجيج السياسي لأنها تُعالج القضايا الساخِنة ببرودة أعصاب، فروسيا رغم الحصار الذي فُرِض عليها أخيراً رفضت الردّ عليه وهي قادرة عل تخريب الاقتصاد الأوروبي بمجرّد إعلانها وقف الطاقة عن أوروبا، إلا أنها لم تفعل ذلك في الوقت الحاضر لأنها تُدرك جيّداً أن أوروبا محكومة بألا تكون خارج الموقف الروسي، وتعلم جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية تريد من أوروبا أن تدخل في نزاعات ضدّ نفسها، أي أنها تحاول نصْب فخ لها بمواجهة روسيا، لكن روسيا بذكائها التاريخي، وعظمة نزعتها الإنسانية ترفض مُجاراة البُلهاء حتى وإن كانوا يريدون لها شراً، لأنها تُدرك كما قلت أن أوروبا هي الجار للروس، وليست الجار لأميركا، وأن التعايش ممكن مع أوروبا على المدى المنظور.

 

لكن، إذا كانت ألمانيا مُدرِكة هي أيضاً لهذا الموقف وتحاول الاسترخاء في بعض مواقفها فإن فرنسا ولأسباب سياسية مُتماهية ارتمت في أحضان الولايات المتحدة الأميركية هروباً أيضا من مشاكلها الداخلية، ولكنه هروب محكوم بصدمات عدّة لا يمكن التخلّص منها لاحقاً ومن أهمها تلك العداوة التي تصطنعها السياسة الفرنسية ضدّ الكثير من الدول ومنها إيران، و سوريا وبعض دول آسيا، فقد خسرت ليبيا رغم أنها تزعّمت الحرب ضدّها، وخسرت سوريا باتّخاذها مواقف مُتصلّبة ضدّها سواء في مجلس الأمن أو خارجه مع أنها تحاول من خلال مخابراتها التواصل معها... فرنسا اليوم في مؤخّرة الرّكب، إذا قيست بدول المحور الناشئ، وهي لا تملك أية ورقة تُناور بها لا ضدّ روسيا و لا ضدّ إيران، ولا ضدّ سوريا، بل إنها أضحت تُمثّل العجْز السياسي المُطلَق، وأن ما تقوم به من" تفقيس" للتّهم إن لروسيا أو لإيران أو لسوريا هي مجرّد بالونات لا تستقرّ على الأرض و لا تحمل غير الهواء المضغوط فيها..

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات