قاسم شعيب

كاتب وباحث تونسي

حلم ثائر

حمل غيفارا فكرة أممية كان يتصور أنها الأمل، لكنها بعد عقود من الممارسة لم تصمد، وسقطت الدولة الكبرى التي كانت تحملها والتي انتقدها غيفارا. بينما تخلّت عنها دولة كبرى أخرى رغم استمرار الشكل السياسي. لم تكن المشكلة فقط في تناقضات النظرية التي خضعت لعمليات نقد ومراجعة مستمرة، بل كانت أيضا في غياب ضمانات التطبيق السليم.

اقتنع غيفارا أن الطريق الوحيد للقضاء على الرأسمالية والإمبريالية هو الثورة

لم يبق تشي غيفارا مجرّد شخصية وطنية ضَحّت من أجل فكر وقضية، ولكنه تحوّل إلى ثائر أممي. أصبح الشاب الكوبي الأرجنتيني المولد من أصل باسكي ــ إيرلندي، الماركسي التوجه، رمزا يعبّر عن شيء وينقل اسمه بمجرد ذكره رسالة معيّنة. غير أن الرموز والعلامات سواء كانت أشخاصا أو أشياء تتحرك دائما ضمن إطارها الثقافي. فما يراه بعض الناس رمزا يحيل إلى معنى أو يشير إلى قضية قد لا يرى فيه آخرون ذلك.

وعندما يتعلق الأمر بمناضلين سياسيين تحوّلوا إلى رموز، فإن الأمر يحتاج إلى شخصية من نوع ما ومبادئ معينة وقضية يحملها المناضل. في حالة غيفارا الذي عاش 39 سنة وغادر الحياة في مثل هذا اليوم من عام 1967، تحول الشاب الثلاثيني إلى رمز بسبب امتلاكه لمقومات الرمزية الثلاثة. فهو يمتلك قوة الشخصية والمبدأ الذي يستند إليه والقضية التي يناضل من أجلها.

كان غيفارا مندفعا ربما كانت أحلامه أكبر من كوبا بعد تسلُّم الحكم. فحاول كاسترو، لاحقا، بعد إخفاق الحملة البوليفية التي أدت إلى أسر غيفارا واغتياله، تبرير سماحه له بالمغادرة فقال: "كانت تلك فكرة تشي وليست فكرتي أنا. كان في وسعي منعه لأسباب سياسية باعتباري قائداً للحزب، لكني بسبب علاقاتي الخاصة به، ومعرفتي بمزاجه لم أكن قادراً وليس لائقاً أن أمنعه من فعل أي شيء". وهنا قال كاسترو كل شيء عن رفيقه!

امتلك غيفارا من الجرأة الكثير. أرسل رفيقه بينينو، الذي لا يزال حيا يرزق، لاستطلاع المكان، في مواجه مع الجيش البوليفي، فعاد قائلا لتشي: "الجنود يملأون المكان مثل النمل". كان من الطبيعي أن يجمع غيفارا جنوده وينسحب لكنه نظر إليه وربّت على كتفه قائلاً بهدوء: "لا أدري لماذا أشعر أننا مقبلون على معركتنا الأخيرة"، كان مصمّما على القتال حتى الموت. وكان هذا الحس يستوطن روحه. لم يتردد كاسترو في إعلان عتبه الضمني عندما عرف تفاصيل العملية بقوله: "لو كنت في مكان تشي لأدركتُ فوراً أن في الأمر كمين، واننسحبت برجالي، ولكني أعرف أن تشي لا يمكن أن يتراجع أبداً".

سكنت الثورة عقل غيفارا حتى النهاية. قرأ ماركس ولينين وتروتسكي وماو بعد أن تعرّف على هيلدا البيروفية وتزوجها قبل أن يطلّقها. وبسبب هواه الثوري لم يكن قادرا على التحوّل إلى رجل دولة بالمعنى البراغماتي. أصرّ على تعميم روح الثورة الكوبية، لكن كاسترو كان يقول إنه ليس بوسعه التضحية بحلفائه الوطنيين غير الماركسيين من النخبة الليبرالية .وكان غيفارا عدوّا للولايات المتحدة الأمريكية رأس الإمبريالية، كما يراها، وكان  اندفاعه الثوري ينسى أن كوبا جزيرة صغيرة لا تبعد أكثر من ثمانين ميلا بحريا من شواطئ فلورِيدا. كان يقول: "علينا أن نصطدم بالولايات المتحدة، وعلينا أن نبدأ فورا"، وأكّد على ضرورة التأميم الفوري وطرد الشركات الأمريكية من البلاد وتم فعلا تحطيم مبنى شركة "شال" النفطية. كان ذلك يمثل نصرا معنويا كبيرا.

أصر غيفارا، بعد الثورة، على سلوك تقشفي لرجال الدولة. فتنازل عن سيارة لادا صغيرة لصالح الحزب وقال إن زوجته ستتنقل بواسطة النقل العام مثل سائر الناس. وكان يحرّض الطبقة السياسية الحاكمة على قضاء آخر الأسبوع في أعمال الصناعة والزراعة والبناء أسوة بعامة الناس. وكان يقول إنه لم يذهب مع زوجته إلى مطعم أو مشاهدة فيلم منذ انتصار الثورة.

لم يكن غيفارا ثائراً مندفعاً فحسب، بل كان أيضا يحمل قضية. وتلك القضية هي قضية الإنسان الذي نهبته القوى الرأسمالية واستباحت روحه واستغلت جهوده. فَهِم غيفارا بعد جولة في أمريكا الجنوبية، وهو في بداية العشرينات من عمره، على متن دراجة نارية مع صديقه ألبيرتو غرانادو أن تلك الجغرافيا الشاسعة كانت تمثّل بنية ثقافية واحدة وإنْ تعدّدت إثنياتها، وأن التفاوت الاقتصادي الحاد بين فئاتها بسبب جشع الرأسمالية الاحتكارية والممارسات الإمبريالية التي كانت تفرضها الأنظمة التي ترعاها مشترك آخر بينها.

اقتنع غيفارا أن الطريق الوحيد للقضاء على الرأسمالية والإمبريالية هو الثورة. فقد انتظر إلى حين خروج فيديل كاسترو من سجنه في كوبا للانضمام إلى حركة 26 يوليو التي أطاحت بالدكتاتور باتيستا المدعوم أمريكيا. ساعد اختصاص غيفارا في الطب انضمامه للحركة، فقد كان كاسترو يرى أنها محتاجة إلى طبيب. وسرعان ما وصل تشي إلى موقع الرجل الثاني في القيادة بسبب دوره في الإطاحة بباتستا بعد عامين من الحرب المسلّحة. وكان ذلك علامة أخرى على حضوره القوي.

وصول الرفاق الكوبيين إلى السلطة والأدوار التي لعبها غيفارا في تطوير الصناعة والإصلاح الزراعي وإدارة البنك المركزي وقيادة القوات المسلحة، من خلال المناصب التي تسلمها، لم تنتهِ إلى غايتها. سرعان ما تكدّست أمامه مهمة الأسفار الخارجية للقاء القيادات الثورية في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث فزار، مثلا، الجزائر ومصر والتقى جمال عبد الناصر.. ودافع بحرارة عن الثورة الكوبية في الأمم المتحدة.

غير أن غيفارا  قصم ظهر البعير أمام مؤتمر دول عدم الانحياز في الجزائر حين ألقى خطاباً عاصفاً بالفرنسية اتهم فيه السوفيات بـالبيروقراطية والتآمر. وطالبهم، هم والدول الاشتراكية الأوروبية، بعدم طلب مقابل للأغذية والأدوية والأسلحة التي تقدمها لثورات العالم الثالث. وهو ما أثار بعض الامتعاض بسبب الاعتماد على السوفييت.

سَلّم غيفارا "رسالة الوداع" إلى كاسترو وطلب منه عدم إذاعة محتواها إلا بعد موته. لكن كاسترو قرأها، لاحقا وقبل موت غيفارا، في مقابلة تليفزيونية بعد أن كثُرت التساؤلات عن تشي ومصيره وعدم ظهوره. تضمنت الرسالة استقالة غيفارا من كل مناصبه وحتى تنازله عن الجنسية الكوبية. غادر إلى الكونغو للقتال في أحراشها.

وكان سقوط سانتا كلارا وحاميتها العسكرية الحصينة المثال الأكثر إذهالاً في سيرته الحربية. وليس مستغربَاً أن يختار كاسترو بعد عقود طويلة من اغتيال رفيقه دفن رفاته بمراسم عسكرية مهيبة في سانتا كلارا، وليس في هافانا ذكرى للنصر الذي مهَّد الطريق لاستسلام العاصمة الكوبية ودخولها دخول الفاتحين على ظهور الدبابات بعد مناوشات محدودة.

حمل غيفارا فكرة أممية كان يتصور أنها الأمل، لكنها بعد عقود من الممارسة لم تصمد، وسقطت الدولة الكبرى التي كانت تحملها والتي انتقدها غيفارا. بينما تخلّت عنها دولة كبرى أخرى رغم استمرار الشكل السياسي. لم تكن المشكلة فقط في تناقضات النظرية التي خضعت لعمليات نقد ومراجعة مستمرة، بل كانت أيضا في غياب ضمانات التطبيق السليم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات